كثيرا ما يساء إلى الحياة بل يختلق ما هو مثلها خارجها ليتكون في على تخومها وعي هو فيها وليس منها ، وعي ينبت في حدود لا تحدها الحياة ولا يضمه مضمارها فيكون بمعزل عن قوانينها وحدودها، لأنه يبني نفسه على فرض تحقيق ما في الذات دون أي اعتبار لما هو قائم فهو أشبه بالحلم الذي يبني من المستحيلات حقائق ، إن هذا الوعي يعيش في خيال نفسه ولا يدرك شيئا عن الخارج إلا ما يشارك في صناعة آماله الطوباوية أو يؤيد أفعاله . فهو يعيش حياة امتداد لما هو يعتقده ولا يعيش حقيقة .
إن من أبرز دعائم هذا الوعي القوة الميتافيزيقية الموجودة خارج الطبيعة -الله- الممكنة له وملازمة معه إذ انه يعيش حالة من الانفصال عن الإدراك الحقيقي إلى نوع من المجاز ، إذ هو يفترض معية هذه القوة معه دون غيره ويبني على ذلك الكثير من آماله وتطلعاته ، وبواسطة هذه القوة يعيد فهم الحياة على أنها وهم يخفي وراءه الحقيقة ، عند ذلك يتوارى أي أساس منطقي ليبنى محله الافتراض والظنون لأن الحياة ما هي إلا ذلك الوهم . – إذ ان وجود الله حق لكنهم يجعلونه جزءا من عقلهم وفاعلا معهم -
إن هذا الوعي يظهر جليا عند النظر إلى تطلعات وتحركات عند أصحاب الأيدلوجيات الحاكمة فتجدها في أغلبها يخالطها نوع من عالم الغيب الذي هم بأنفسهم صاغوه – فإن الغيب لا يكون غيب إذا أدرك – فلا عجب حينها من فهم عجزهم الدائم عن تحقيق آمالهم وبقاءها في أغلبها ممزوجة بشيء من الغيب . إن الحياة لا يمكن أن تعاش من خارجها ولا يعقل أن تكون عكس ما هي عليه ، ولا يمكن أن يحقق أي نجاح فيها خارج أطرها .
فأنموذج الدولة الإسلامية هو جزء لا تستطيع أن تدركه كما هو على أكمل وجه بل هو جزء من ذوات أصحابه وعالمهم فليس هناك ما هو قطعي أكثر من كون ((إن الحكم إلا لله)) تلك العبارة التي يمكن أن تجد لها أكثر من رأي حولها من بينهم ، هذا على سبيل المثال لا التفصيل .
إن هذا الوعي يتمفصل حتى تجده في العملية التربوية التي تسعى أن تستجمع كل الطرق الممكنة لجعل الأفراد جزءا من العالم الخاص بهم فيخلقون عالما آخر بكل ما فيه (( من ثقافة وتقاليد)) فتجد الشخص منهم لا تدرك يقينا أهو في نفس حياتنا أم أن له روحا أخرى في مكان قصي .
إن تملك هذا الوعي يجعل المجتمع يعيش في حالة فصل حقيقية خصوصا أنه يسعى لتملك الدين وتكوينه كثقافة خاصة به هذا الفصل الذي يطال المجتمع هو نوع من الانقسام الثقافي وتشغيل عداد الانهيار الذاتي لا للمجتمع لكن للدين كجزء من ثقافة المجتمع الخاصة ، لأن هذا الأخير تحول إلى بنية معقدة ومختلقة من القيم التي في أغلبها تعبير عن غيبة وعي أصحابها لا عن المجتمع بل عن الحياة .
فلا بد من إدراك الحياة من داخلها وارضاخ كثيرا من المسلمات إلى الشك لأنه حينها يمكن تحرير الوعي من غيبته لأن مجتمعنا خضع إلى أنماط متعددة من هذه الغيبة ولأننا امتداد لتاريخ آخر . إنه لا يوجد في الحياة أكثر من كونها حياة بهذه المقولة البلهاء أختتم المقال .

No comments yet
تلقيمات التعليقات لهذا المقال