أحيانا يخنق الوعي السياسي ويلبس لبوسا غير لبوسه أو أنه يكون تعبير عن حالة تناقض فيما بينه وبين المفهوم الأبرز الذي قامت السياسة لأجله ، فتصاغ أطر السياسة حينها على هذا اللبوس ، ولكن الخنق يحدث في حالة التناقض المنطقي بين المفهومين لمحاولة إخضاع أحدهما للآخر .هذا ما يكون عندما تستحوذ الطائفية على الوعي السياسي وتكون المخيال السياسي لدى الأمة ، لكن هنالك سؤال كيف تنشأ الطائفية وماذا تعني وكيف تستحوذ على المخيال السياسي ؟
إن الطائفية تنشأ عن حالة انشقاق ثقافي ، فعندما لا يستطيع النسق الثقافي أن يكون الوحدة العضوية للجماعة ينزع إلى الانقسام ويكون بالتالي نسق آخر جديد منشق من السابق ليحوي الجماعة ويعبر عنها – وإن كانت الجماعة أصغر من الأولى- لكن هذه الظروف المخاضية للطائفية تقود إلى نشوء وعي تصنيفي حتى تستطيع الانشقاق هذا الوعي الذي يقود إلى القطيعة بين أجزاء الثقافة الواحدة ، لأنه لا يمكن أن يتم هنالك انشقاق دون تصفية المساحات المشتركة للثقافة الأولى .
أما عن ماذا تعني الطائفية فهي تعني البناء على أساس التقسيم والطهارة العقدية وتقوم بالإتيان بمخزون لغوي للتعبير عن التقسيم (كافر،خارج،متزندق) وللطهارة (مؤمن ،مسلم) ، لعل هذا التقسيم يوجد في النسق الأول للثقافة لكنه هنا يأخذ أولوية ويزداد تعقيدا ليبني اشتراطات أكثر دقة على الانضمام إلى الجماعة ، فمثلا كانت الشهادتين تفيان بالغرض أصبحت لا تعني غالبا وحدهما شيء عند هذه الطائفية.
أما عن استحواذه على المخيال السياسي فيعني بناء السياسة على هذا الوعي النازع إلى التصنيف والطهورية مما يؤدي إلى خنق اللعبة السياسية وبناءها على أساس متناقض معها فمثلا هذا الوعي يصنع للسياسة الأعداء الدائمين على حساب العقيدة ، وإنه يصنع عقيدة جمعية سياسية قوية لأصحاب الطائفية فهم يرون في المشروع السياسي الطريق إلى الطهارة والفوز ويبنى على هذا محددات سياسية هي أقرب إلى العقدية منها إلى السياسة مثل القطعيات السياسية التي هي تعبير عن إضافة الغيبي للسياسة (الاستمساك بقرار رغم تحتم خطؤه ) ، إن هذا الإشراك العقدي في السياسة يعني زوال السياسة القائمة دوليا فهو وعي مثلا لا يعترف بالحدود السياسية لأن حدوده هي حدود عقيدته .
فيمكن حينها أن تنشأ سياسة لكنها سياسة قائمة على التصنيف والتطهير سياسة تخلق العدائية والعنف ولا تؤدي إلى اطمئنان سياسي ، فهذه السياسة تمتاز بالشعور العقدي الموحد ولكنها رغم ذلك تخضع لسلبيات هذا الشعور وهي بناء جيوسياسية عقدية . وأيضا إن الرابط القومي في هذا المجتمع هو مدى قدرة الدولة على تحقيق إرادة المعتقد أي أن المعتقد هو أساس المواطنة ، إن هذا كله يخلق ما يسمى الطائفية السياسية .
هذا لا يعني عدم نجاح السياسة في تحقيق أهدافها ولكن يعني خلق أهداف جديدة لسياسية خارجة عن إطارها وتحسب عليها ، فيمكن أن تقوم هذه الطائفية بخلق دولة قوية وسياسة ناجحة لكنها لا يمكن أن تخلق اطمئنان سياسي في المنطقة التي تمثل حدودها السياسية .
وأيضا إن نجاح الطائفية مرهون بتنفيذ أهداف المعتقد فنفهم من ذلك ذبول القدرة السياسية عن ابتعاد الأهداف عن التحقق واستحالتها كأي برنامج سياسي آخر يعتمد على انجازاته ولكنه هنا يختلف في كون هذه الانجازات عقدية فبتالي احتمالية استمراريتها رغم فشلها ، وهذا ما حدث مع حماس عندما أرادت للسياسة أن تستند إلى العقيدة ففشلت السياسة لكن العقيدة بقيت لتعبر عن هذا الفشل دون أن تتحول إلى مجموعة أهداف أخرى لأن من خصائص الأخيرة الثبات ومن خصائص الأهداف السياسية التغير .
ومبدأ المواطنة في هذه الحالة يكون العقيدة الطائفية فحينها يجتمع الناس حول الموروث العقدي لهم وقدرته على التحقق والانجاز لكن هذا المبدأ لا يكفي وحده إذا أرادت الدولة أن تكون ذات تمثيل حقيقي للشعب لأن العقيدة لا تعني الجميع بنفس القدر لكن لا بد للدولة من إقامة نوع من المواطنة المبنية على الحرية والمسؤولية والانجاز الداخلي للبلد(التعليم) الذي يحقق للفرد مكانته . لأنه عند غياب هذا المدعم للمعتقد تصبح الدولة طائفة مقابل فئات الشعب التي تتفاوت درجات اعتقادها واستمساكها بالمعقد . فلكي تكون الطائفية ذكية لا بد لها من دعائم سياسية حقيقية.
وبعد هذا إن الطائفية السياسة وان نجحت فهي نخلق جو من التوتر في المنطقة فهي صاحبة مبادئ عقدية وإن ظهرت بغير هذا المظهر لا يمكن أن تتنازل عنها ولا يمكن أن تستوعب اللعبة السياسية إلا كغطاء للعقيدة الطائفية التي هي المركز الرئيس لأهداف والآمال السياسية .