دائما ما تحدث الانقلابات داخل الفقه الإسلامي تحت مسمى الاجتهاد والرجوع إلى الأصل الشرعي القرآن والسنة ، أي باعتبار أن التراكم الفقهي يؤثر في وجة النظر الفقهية وهذا التراكم والرضا به يسمى التقليد ، أي بما يعني أن دورة الفقه الإسلامي تمتاز بأنها انقلاب النص على التراكم ومحاولة الرجوع إلى المصدر الأصل للتشريع الإسلامي ، فلا يزال الفقه يجدد نفسه بأصله أي بالمحافظة على صيغته الأولى ومحاولة تجديدها . لكن السؤال هو هل هذا التجديد هو حقا تجديد ؟ هل هو رجوع للأصل؟ ولماذا لا يكون نوع من محاولات ثورة الفقه على نفسه ؟
هو في الحقيقة ليس هناك رجوع للأصل فإن التراكم ناتج عن الرجوع للأصل أيضا، لكن الذي يحدث هو محاولات الانقلاب على الفقه الناتجة عن عدم الرضا عنه أو عدم تأقلمه بحجة الرجوع للأصل لأني لا أعتقد أنهم لم يكونوا يدركون أن تجديدهم هو إضافة للتراكم ، إن محاولات الانقلاب متعددة ومتنوعة لكنها كلها تسلك نفس المسلك فلذلك لا تكاد تصل إلى طرق متباعدة إذ إن التقليد والتجديد ،بمعنا الرجوع للأصل، وسيطرة مفهومهما على الفقه أدى إلى سير العملية الفقهية في دائرة مغلقة لا يتم فيها خلق مساحات جديدة أكثر من فكرة الثورة الوهمية التي تعني الانقلاب الصوري – لأنه هو اضافة للتراكم وليس انقلاب حقيقي- على الوضع القائم لكن أي ثورة يجب أن تركن إلى الاستقرار النظري ولا يمكن أن يكون استقرارها في ثوريتها وانقلاباتها . لذلك نفهم لماذا كان الفقه يدور بعصوره حول هذين القيمتين .
لكن لا تكمن المشكلة في الانقلابية فحسب بل في تأكيد الرجوع إلى الأصل بما هو الحاكم أي بجعل الفقه الإسلامي معطى غير زمني فهو ذو قيمة ثابتة ، وتكمن المفارقة هنا في اتحاد الزمني واللازمني أي في الوحي بما هو إنتاج الهي والمؤول بما هو بشر لذلك كان الفقه الإسلامي يسعى بتكوينه تياريه إلى التعبير عن هذه الإشكالية أهل الرأي وأهل الحديث فأهل الحديث نتجوا عن محاولة إبقاء الطابع اللازمني للفقه وعن فض الاشتباك بين الزمني واللازمني .
إن العلاقة بين الزمني واللازمني هي عقدة النزاع حول الفقه الإسلامي وهي التي بقيت رغم حيويتها أسيرة لجهة واحدة ،رغم وجود أهل الرأي، وهي الطابع اللازمني أي بإعطاء النص قيمة متعالية على الزمان والمكان يرقى إليها الفقيه الذي يستخرج النص (المجتهد) الذي اجتهد الفقهاء وأطالوا في أوصافه لأنه هو الكافل لفك هذه العلاقة .
لذلك نعي كيف أنه ليس من الغريب على الفقيه الاستشهاد بقول أحد الفقهاء القدماء في ظروف مختلفة كليتا دون حرج لأنهم كلهم يشتركون في نفس المنزلة وهي تعيين إرادة الله ، ولا يلغي هذا كون الفقه انقلابي لأن الانقلاب ما هو إلا تبدل بين مؤولين النص (المجتهدين) لأنه أخيرا كلهم يعودوا إلى ذات المطلق، إذا فإن هذا الانقلاب ما هو إلا سجال بين الفقهاء أنفسهم للتعبير عن عجز الفقه أو إذا أسأنا الظن للتعبير عن نزاع مراكز السلطة في المجتمع – بحكم كون مجتمعنا ديني- .
ولا يمكن للفقه إذا بقيت العلاقة بين الزمني واللازمني لم تحل أن يتقدم أو يشارك في بناء المجتمع المدني ، لكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو ألم يكن الفقه مشارك في بناء المجتمع ؟ إذا لماذا هذا النفي لمشاركته الآن؟ إن الجواب على هذا يبدأ بسؤال وهو ما الفرق بين هذا الزمن وذاك ؟ إن الزمن الماضي أو الطور الحضاري ،كما يسميه الجابري، الذي نشأ فيه الفقه يختلف اختلافا كليا عن طورنا لحضاري الحالي لأن الطور الحالي هو ليس من إنتاج المجتمع بقدر ما هو من إنتاج الحضارة الغربية أي أن هذا العصر يأتي بمستجدات لا تقبل القياس على الماضي لأنها مختلفة المنشأ كليا ، وأيضا إن الفقه في السابق كان هو تعبير عن المجتمع ككل أي أنه حصلت عملية توسيع للدين ليشمل السياسة والاقتصاد و.. في مقابل تكون الدولة خارج المجتمع ،أي أن الدين كان هو التعبير عن المجتمع المدني نتيجة ضعف التطورات الإدارية والسياسية فأنتقل الدين بما هو يعني علاقة العبد بربه إلى شمولية لكل مفاصل الحياة ،وأما الآن مع التطور الإداري والسياسي والاقتصادي بدأ الدين يعود إلى موضعه الرئيسي – لكن بصراعات مستمرة- فان يمكن فهم استمرارية الوضع في مقابل استحالتها الآن في ضوء هذين المعطيين .
إذا تبقى إشكالية الفقه هي العلاقة بين الزمني واللازمني التي يجب على العقلية الفقهية تجاوزها وإدارتها على هيئة لا تنافي بشرية الفقيه ، عند ذلك تنتظم دورت الفقه في خط مستقيم وليس دائرة مغلقة وعندها يمكن تكوين المجال الحيوي للفقه الإسلامي إذ إن ما يحصل الآن من جانب بعض الفقهاء هو تطرف في الجانب اللازمني حتى أصبح الفقيه يقترب من القسيس وأصبح لا يتورع عن الخوض في كل شيء وأيضا أصبح يميل الفقهاء إلى صناعة سلطة زمنية ،هيئة الأمر بالمعروف، حصل هذا التطرف لأن الفقه أصبح يواجه أزمة توتر حاد في العلاقة بين الزمني واللازمني تقتضي فك الارتباط سريعا لأن الواقع لم يعد يعبر عن ما في رأس الفقيه ولا يمكن قياسه بالماضي . إنه يمكن فك هذا الارتباط ببناء نظرية جديدة في الفقه أي إعادة تأصيل أصول للفقه وبناء فقه جديد مبني على إعطاء مساحة أكبر فيه للزمني – أسباب النزول والمصالح- أي بجعل المسألة الفقهية مسألة زمنية بشرية تشرك الواقع في الحكم الشرعي وليست متعالية على الزمان والمكان ، وما أجمل قول الجرجاني في كتابه التعريفات ((الدين والملة متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار فإن الشريعة من حيث أنها تطاع تسمى دينا ومن حيث أنها تجمع تسمى ملة ومن حيث أنها يرجع إليها تسمى مذهبا وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب أن الدين منسوب إلى الله تعالى والملة منسوبة إلى الرسول والمذهب منسوب إلى المجتهد)) فلا بد من فض الاشتباك الناتج عن ارتباط الشريعة بالثلاثة أمور لتنسجم مع بشرية الحياة وزمنيتها .
لا بد من أن يعطى للفقه الإسلامي مساره الصحيح حتى يكون شريك في تكوين مجتمعا متمدنا وحتى ينفك الاشتباك بينه وبين الدين بما هو إطاعة لله ،ويكون بالتالي الفقه جهد عقلي يهدف إلى تنظيم المجتمع من داخل أطره وما يعيشه لا من خارجه مما يؤدي إلى انفصال الفقه وحتى لا يكون الفقه عائقا في وجه تطور المجتمع .

1 comment
Comments feed for this article
اغسطس 19, 2008 في 9:34 ص
رياض أبو خندج
موضوع رائع ـ وأرى أن التضخم في الموروث الفقهي راجع إلى القدرة على استيعاب المسائل الجديدة عليه بحيث يصبح فيما بعد خبرة واستشهاد تاريخي مؤصل ، وهذه طبيعة الحضارات ذات التاريخ ، فليس من المعقول أن تفرد لكل قضية فقهية بند جديد لا علاقة له بالأصل …ومهما يكن فأنا معك في إعادة تأصيل أصول الفقه ، لكن هذا يتعلق بالتدوين وتنقيح الموروث الفقهي بحيث تصبح قواعده سهلة ميسرة يمكن البناء والقياس عليها ، أما بالممارسة فهذا ما يحدث فعلا حيث المراجع والتأصيل مطلوبة لكل قضية فقهية ….. والجهد البشري أوالاجتهاد هو فقهي ما دام يتم في حدود الالتزام بمعاييره الفقهية ، لكن لا يمكن أن يتم في غفلة عن الأصول وإلا أصبحت المسائل أراء وقوانين وضعية …..أرجو أن لا يحجب رأيي !!.
تقبل تحياتي ، وأهنيك على هذه المدونة الرائعة جدا ،