إن السياسة وما يدور في فلكها من إشكاليات هي من أبرز ما يتناوله الوعي العربي بأطيافه ، إن هذا الاهتمام بالسياسة يمكن أن يقود إلى طرق شتى فيمكن أن يكون ناتج الاهتمام هو اعتبار السياسة هي تلك العصا السحرية التي يمكن استخدامها كمعطى ناجز فهي كيان مفرغ يحددها ما يملؤه لهذا فيركز على المضمون وحده في تحريك السكون العربي أو التحول إلى الحضارة إلى فعل ، إن أزمة هذه الرؤية أنها تخلط السياسة بأدوار أخرى فتضيع السياسة ويؤدي ذلك إلى طمسها ونفيها والإحلال مكانها لكن بمنطقها أو في تقمص دورها مما يؤدي إلى الضياع المتبادل لأصحاب الدور وللشخصية ، إن هذا يمكن أن يعد من التفكير في السياسة من خارجها أي من غير ما هي تعنيه من تسوية للمصالح ورعايتها ، إن هذا التفكير لا يقود إلى خلق مناطق أخرى من الأزمات التي لم تكن موجودة فحسب بل إلى التعمية على الوعي لإدراك أنه أصبح خارج الإشكالية مما يؤدي إلى تضخيم حجمها لكن بأخرى ودون حل الأولى مما يؤدي إلى توالد الإشكاليات بصيغة مستمرة . إن الدور الذي تتطلع إليه السياسة ينتفا مع استمرارية هذا التفكير من الخارج ويحول إلى معكوس السياسة أي إلى ضرب التوازنات وتفويت المصالح .
هذا هو الذي يكون عندما يرتكز على الدين في تكوين السياسة باستخدام الدين في السياسة أو محاولة تديين السياسة يقود إلى النفي المطلق لمنطقيهما وتفتيت الدين كمخزون للوعي الجمعي وارتكاز لرأس المال الاجتماعي وذلك بجعله طرفا سياسيا يطمح إلى تبني مصالح في وجه أخرى إن هذا التفتيت هو الذي يؤدي إلى إضعاف قدرة الدين على أن يكون الحاضن للجماعة والبعد الرئيسي أو بنية ثقافتها بالربط بين أبناها على مبدأ التوحد والتضحية وصناعة الذات المسؤولة .
إن هذا الخلط ينفي السياسة من كونه يحمل دور الدين أي مسألة الهداية بما تعني التركيز على الإيمان والنفس الزكية في العملية السياسة بما تعني الموازنات والمصالح وتسويتها فعندها تكون التزكية جزء من السياسة وأضف ما شئت من التداخل بين المنطقين اللذان هما في الحقيقة متوازيين ، إن هذا المنطق يجعل الدعوة السياسية تبني ذاتها على أساس الإيمان الديني أي على أساس دنيا الآخرة لتضيع عندها السياسة بما تعني بناء المصالح الاجتماعية وتدعيمها ، وأيضا بينما يعني هذا الخلط من تحول الدين من حرية الضمير إلى محاكم التفتيش أي أنه يمارس بالفرض من الدولة عندها لا يليق بهذه الدولة اسم أكثر من المؤسسة التبشيرية التي تؤدي العمل الديني في الحقل السياسي .
هذا هو حال معظم الحركات الإسلامية التي ظهرت في النصف الأول من القرن الفائت عندما دخلت المعترك السياسي وهذا أيضا هو الذي يفسر تحولها إلى تمركزات طائفية بما تعني الكلمة من معاني لأنها تراهن على الدين في السياسة وتماهي بين الدين وما تقوم به من دعوة تحت مسمى تطبيق الشريعة، إن هذه الأخيرة تشكل مركز اتفاق الحركات الإسلامية بما هي تعني النظرة القانونية للتشريع الإسلامي في محاولة خلق الشرعية للمجتمع وتنظيمه ، لكن المشكلة التي بدأت بالخلط بين الديني والسياسي تظهر هنا بظهور الشريعة كقانون – أي وضعية مبنية على تراضي الناس أو ما يسمى الإجماع- تعبير عن إرادة الله ليزول عندها أي معنى للقانون كتمثيل للإجماع مرتبط بمصالح المجتمع وليس معتمدا على درجة الإيمان ، إن هذا الخلط يقتل أي سياسة أو أي محاولة لفهم السياسة لأنه يدرس السياسة من الخارج أو كما قلت باعتبارها كيانا مفرغا تملأ بالدين
إن هذا هو ما قاد إلى القول الذي قاله ناصر العمر في التحليل السياسي عندما أركزه على الدين أي بالمثال في مسألة الغرب ليكون التحليل عندها ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى…) هكذا ينتج عن الخلط نفي كلي لأي معنى سياسي للتحول إلى أداة في يد الطائفية .
أخيرا إن للسياسة بنيتها ومنطقها الخاص وساحة عملها وينبغي إدراكها بهذا المنطق لا اعتبارها كيان فارغ يملأ لتتقزم إلى أداة تسير بغير منطق ذاتي ولا اتساق داخلي ، وإن هذا النفي المتكرر للسياسة ينتج ظهور الأخيرة بمظهر الطائفية والرفض المطلق والتقوقع حول المطالب التي لا يمكن أن تتم إلا كلها أو لا .و إن هذا الخلط يمكن أن يحدث مع غير الدين عندما يراد للسياسة أن تكون بغير منطقها أو يمارس منطقها على غير مجالها أي كلما أريد تجير السياسة بمنطق آخر مثل المنطق الأخلاقي الذي يفترض أنه يبنى على أساس التضحية بينما السياسة تبنى على أساس المكاسب وأيضا بمنطق المصالح الشخصية بينما السياسة تعني التسوية بين المصالح العامة إن النفي للسياسة وتشويهها لا يقود إلا إلى تكريس ضياع المفهوم السياسي وانعدام عمله بالتالي ظهور المفاهيم الأخرى في الساحة التي كانت للسياسة ليتقاسمها أصحاب القوى في المجتمع وتخضع السياسة عندها لمفهوم الأقوى .
إن هذا الغياب للسياسة هو الذي يؤدي إلى استنبات الخوف من السياسة لدى العامة لأنها تظهر بمنطق غير منطقها وهو أيضا يفسر التسطيح السياسي لدى مجتمعنا والتعلق بالبطل التاريخي .
لتصبح السياسة عندنا أو عند العامة هي عبارة عن منح وعطيات ونصائح وتوصيات ، هل بعد هذا يرجى انجاز سياسي ؟ هل يمكن لنا أن نتقدم سياسيا إذا لم نعطي للسياسة منطقها ونعيد ترجمتها على معطيات العصر؟ هل يقود هذا الاحتراب حول احتلال موقع السياسة إلا إلى نفي لمنطق الجماعة تحت نير الطائفية أو المصالح المطلقة؟ هل يصبح مع زوال منطقها للمجتمع بما هو مكون السياسة الحقيقي أي معنى في تكوين معادلتها الجديدة المبنية خارجها؟