You are currently browsing the monthly archive for يونيو, 2008.
أحيانا يخنق الوعي السياسي ويلبس لبوسا غير لبوسه أو أنه يكون تعبير عن حالة تناقض فيما بينه وبين المفهوم الأبرز الذي قامت السياسة لأجله ، فتصاغ أطر السياسة حينها على هذا اللبوس ، ولكن الخنق يحدث في حالة التناقض المنطقي بين المفهومين لمحاولة إخضاع أحدهما للآخر .هذا ما يكون عندما تستحوذ الطائفية على الوعي السياسي وتكون المخيال السياسي لدى الأمة ، لكن هنالك سؤال كيف تنشأ الطائفية وماذا تعني وكيف تستحوذ على المخيال السياسي ؟
إن الطائفية تنشأ عن حالة انشقاق ثقافي ، فعندما لا يستطيع النسق الثقافي أن يكون الوحدة العضوية للجماعة ينزع إلى الانقسام ويكون بالتالي نسق آخر جديد منشق من السابق ليحوي الجماعة ويعبر عنها – وإن كانت الجماعة أصغر من الأولى- لكن هذه الظروف المخاضية للطائفية تقود إلى نشوء وعي تصنيفي حتى تستطيع الانشقاق هذا الوعي الذي يقود إلى القطيعة بين أجزاء الثقافة الواحدة ، لأنه لا يمكن أن يتم هنالك انشقاق دون تصفية المساحات المشتركة للثقافة الأولى .
أما عن ماذا تعني الطائفية فهي تعني البناء على أساس التقسيم والطهارة العقدية وتقوم بالإتيان بمخزون لغوي للتعبير عن التقسيم (كافر،خارج،متزندق) وللطهارة (مؤمن ،مسلم) ، لعل هذا التقسيم يوجد في النسق الأول للثقافة لكنه هنا يأخذ أولوية ويزداد تعقيدا ليبني اشتراطات أكثر دقة على الانضمام إلى الجماعة ، فمثلا كانت الشهادتين تفيان بالغرض أصبحت لا تعني غالبا وحدهما شيء عند هذه الطائفية.
أما عن استحواذه على المخيال السياسي فيعني بناء السياسة على هذا الوعي النازع إلى التصنيف والطهورية مما يؤدي إلى خنق اللعبة السياسية وبناءها على أساس متناقض معها فمثلا هذا الوعي يصنع للسياسة الأعداء الدائمين على حساب العقيدة ، وإنه يصنع عقيدة جمعية سياسية قوية لأصحاب الطائفية فهم يرون في المشروع السياسي الطريق إلى الطهارة والفوز ويبنى على هذا محددات سياسية هي أقرب إلى العقدية منها إلى السياسة مثل القطعيات السياسية التي هي تعبير عن إضافة الغيبي للسياسة (الاستمساك بقرار رغم تحتم خطؤه ) ، إن هذا الإشراك العقدي في السياسة يعني زوال السياسة القائمة دوليا فهو وعي مثلا لا يعترف بالحدود السياسية لأن حدوده هي حدود عقيدته .
فيمكن حينها أن تنشأ سياسة لكنها سياسة قائمة على التصنيف والتطهير سياسة تخلق العدائية والعنف ولا تؤدي إلى اطمئنان سياسي ، فهذه السياسة تمتاز بالشعور العقدي الموحد ولكنها رغم ذلك تخضع لسلبيات هذا الشعور وهي بناء جيوسياسية عقدية . وأيضا إن الرابط القومي في هذا المجتمع هو مدى قدرة الدولة على تحقيق إرادة المعتقد أي أن المعتقد هو أساس المواطنة ، إن هذا كله يخلق ما يسمى الطائفية السياسية .
هذا لا يعني عدم نجاح السياسة في تحقيق أهدافها ولكن يعني خلق أهداف جديدة لسياسية خارجة عن إطارها وتحسب عليها ، فيمكن أن تقوم هذه الطائفية بخلق دولة قوية وسياسة ناجحة لكنها لا يمكن أن تخلق اطمئنان سياسي في المنطقة التي تمثل حدودها السياسية .
وأيضا إن نجاح الطائفية مرهون بتنفيذ أهداف المعتقد فنفهم من ذلك ذبول القدرة السياسية عن ابتعاد الأهداف عن التحقق واستحالتها كأي برنامج سياسي آخر يعتمد على انجازاته ولكنه هنا يختلف في كون هذه الانجازات عقدية فبتالي احتمالية استمراريتها رغم فشلها ، وهذا ما حدث مع حماس عندما أرادت للسياسة أن تستند إلى العقيدة ففشلت السياسة لكن العقيدة بقيت لتعبر عن هذا الفشل دون أن تتحول إلى مجموعة أهداف أخرى لأن من خصائص الأخيرة الثبات ومن خصائص الأهداف السياسية التغير .
ومبدأ المواطنة في هذه الحالة يكون العقيدة الطائفية فحينها يجتمع الناس حول الموروث العقدي لهم وقدرته على التحقق والانجاز لكن هذا المبدأ لا يكفي وحده إذا أرادت الدولة أن تكون ذات تمثيل حقيقي للشعب لأن العقيدة لا تعني الجميع بنفس القدر لكن لا بد للدولة من إقامة نوع من المواطنة المبنية على الحرية والمسؤولية والانجاز الداخلي للبلد(التعليم) الذي يحقق للفرد مكانته . لأنه عند غياب هذا المدعم للمعتقد تصبح الدولة طائفة مقابل فئات الشعب التي تتفاوت درجات اعتقادها واستمساكها بالمعقد . فلكي تكون الطائفية ذكية لا بد لها من دعائم سياسية حقيقية.
وبعد هذا إن الطائفية السياسة وان نجحت فهي نخلق جو من التوتر في المنطقة فهي صاحبة مبادئ عقدية وإن ظهرت بغير هذا المظهر لا يمكن أن تتنازل عنها ولا يمكن أن تستوعب اللعبة السياسية إلا كغطاء للعقيدة الطائفية التي هي المركز الرئيس لأهداف والآمال السياسية .
دائما ما تحدث الانقلابات داخل الفقه الإسلامي تحت مسمى الاجتهاد والرجوع إلى الأصل الشرعي القرآن والسنة ، أي باعتبار أن التراكم الفقهي يؤثر في وجة النظر الفقهية وهذا التراكم والرضا به يسمى التقليد ، أي بما يعني أن دورة الفقه الإسلامي تمتاز بأنها انقلاب النص على التراكم ومحاولة الرجوع إلى المصدر الأصل للتشريع الإسلامي ، فلا يزال الفقه يجدد نفسه بأصله أي بالمحافظة على صيغته الأولى ومحاولة تجديدها . لكن السؤال هو هل هذا التجديد هو حقا تجديد ؟ هل هو رجوع للأصل؟ ولماذا لا يكون نوع من محاولات ثورة الفقه على نفسه ؟
هو في الحقيقة ليس هناك رجوع للأصل فإن التراكم ناتج عن الرجوع للأصل أيضا، لكن الذي يحدث هو محاولات الانقلاب على الفقه الناتجة عن عدم الرضا عنه أو عدم تأقلمه بحجة الرجوع للأصل لأني لا أعتقد أنهم لم يكونوا يدركون أن تجديدهم هو إضافة للتراكم ، إن محاولات الانقلاب متعددة ومتنوعة لكنها كلها تسلك نفس المسلك فلذلك لا تكاد تصل إلى طرق متباعدة إذ إن التقليد والتجديد ،بمعنا الرجوع للأصل، وسيطرة مفهومهما على الفقه أدى إلى سير العملية الفقهية في دائرة مغلقة لا يتم فيها خلق مساحات جديدة أكثر من فكرة الثورة الوهمية التي تعني الانقلاب الصوري – لأنه هو اضافة للتراكم وليس انقلاب حقيقي- على الوضع القائم لكن أي ثورة يجب أن تركن إلى الاستقرار النظري ولا يمكن أن يكون استقرارها في ثوريتها وانقلاباتها . لذلك نفهم لماذا كان الفقه يدور بعصوره حول هذين القيمتين .
لكن لا تكمن المشكلة في الانقلابية فحسب بل في تأكيد الرجوع إلى الأصل بما هو الحاكم أي بجعل الفقه الإسلامي معطى غير زمني فهو ذو قيمة ثابتة ، وتكمن المفارقة هنا في اتحاد الزمني واللازمني أي في الوحي بما هو إنتاج الهي والمؤول بما هو بشر لذلك كان الفقه الإسلامي يسعى بتكوينه تياريه إلى التعبير عن هذه الإشكالية أهل الرأي وأهل الحديث فأهل الحديث نتجوا عن محاولة إبقاء الطابع اللازمني للفقه وعن فض الاشتباك بين الزمني واللازمني .
إن العلاقة بين الزمني واللازمني هي عقدة النزاع حول الفقه الإسلامي وهي التي بقيت رغم حيويتها أسيرة لجهة واحدة ،رغم وجود أهل الرأي، وهي الطابع اللازمني أي بإعطاء النص قيمة متعالية على الزمان والمكان يرقى إليها الفقيه الذي يستخرج النص (المجتهد) الذي اجتهد الفقهاء وأطالوا في أوصافه لأنه هو الكافل لفك هذه العلاقة .
لذلك نعي كيف أنه ليس من الغريب على الفقيه الاستشهاد بقول أحد الفقهاء القدماء في ظروف مختلفة كليتا دون حرج لأنهم كلهم يشتركون في نفس المنزلة وهي تعيين إرادة الله ، ولا يلغي هذا كون الفقه انقلابي لأن الانقلاب ما هو إلا تبدل بين مؤولين النص (المجتهدين) لأنه أخيرا كلهم يعودوا إلى ذات المطلق، إذا فإن هذا الانقلاب ما هو إلا سجال بين الفقهاء أنفسهم للتعبير عن عجز الفقه أو إذا أسأنا الظن للتعبير عن نزاع مراكز السلطة في المجتمع – بحكم كون مجتمعنا ديني- .
ولا يمكن للفقه إذا بقيت العلاقة بين الزمني واللازمني لم تحل أن يتقدم أو يشارك في بناء المجتمع المدني ، لكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو ألم يكن الفقه مشارك في بناء المجتمع ؟ إذا لماذا هذا النفي لمشاركته الآن؟ إن الجواب على هذا يبدأ بسؤال وهو ما الفرق بين هذا الزمن وذاك ؟ إن الزمن الماضي أو الطور الحضاري ،كما يسميه الجابري، الذي نشأ فيه الفقه يختلف اختلافا كليا عن طورنا لحضاري الحالي لأن الطور الحالي هو ليس من إنتاج المجتمع بقدر ما هو من إنتاج الحضارة الغربية أي أن هذا العصر يأتي بمستجدات لا تقبل القياس على الماضي لأنها مختلفة المنشأ كليا ، وأيضا إن الفقه في السابق كان هو تعبير عن المجتمع ككل أي أنه حصلت عملية توسيع للدين ليشمل السياسة والاقتصاد و.. في مقابل تكون الدولة خارج المجتمع ،أي أن الدين كان هو التعبير عن المجتمع المدني نتيجة ضعف التطورات الإدارية والسياسية فأنتقل الدين بما هو يعني علاقة العبد بربه إلى شمولية لكل مفاصل الحياة ،وأما الآن مع التطور الإداري والسياسي والاقتصادي بدأ الدين يعود إلى موضعه الرئيسي – لكن بصراعات مستمرة- فان يمكن فهم استمرارية الوضع في مقابل استحالتها الآن في ضوء هذين المعطيين .
إذا تبقى إشكالية الفقه هي العلاقة بين الزمني واللازمني التي يجب على العقلية الفقهية تجاوزها وإدارتها على هيئة لا تنافي بشرية الفقيه ، عند ذلك تنتظم دورت الفقه في خط مستقيم وليس دائرة مغلقة وعندها يمكن تكوين المجال الحيوي للفقه الإسلامي إذ إن ما يحصل الآن من جانب بعض الفقهاء هو تطرف في الجانب اللازمني حتى أصبح الفقيه يقترب من القسيس وأصبح لا يتورع عن الخوض في كل شيء وأيضا أصبح يميل الفقهاء إلى صناعة سلطة زمنية ،هيئة الأمر بالمعروف، حصل هذا التطرف لأن الفقه أصبح يواجه أزمة توتر حاد في العلاقة بين الزمني واللازمني تقتضي فك الارتباط سريعا لأن الواقع لم يعد يعبر عن ما في رأس الفقيه ولا يمكن قياسه بالماضي . إنه يمكن فك هذا الارتباط ببناء نظرية جديدة في الفقه أي إعادة تأصيل أصول للفقه وبناء فقه جديد مبني على إعطاء مساحة أكبر فيه للزمني – أسباب النزول والمصالح- أي بجعل المسألة الفقهية مسألة زمنية بشرية تشرك الواقع في الحكم الشرعي وليست متعالية على الزمان والمكان ، وما أجمل قول الجرجاني في كتابه التعريفات ((الدين والملة متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار فإن الشريعة من حيث أنها تطاع تسمى دينا ومن حيث أنها تجمع تسمى ملة ومن حيث أنها يرجع إليها تسمى مذهبا وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب أن الدين منسوب إلى الله تعالى والملة منسوبة إلى الرسول والمذهب منسوب إلى المجتهد)) فلا بد من فض الاشتباك الناتج عن ارتباط الشريعة بالثلاثة أمور لتنسجم مع بشرية الحياة وزمنيتها .
لا بد من أن يعطى للفقه الإسلامي مساره الصحيح حتى يكون شريك في تكوين مجتمعا متمدنا وحتى ينفك الاشتباك بينه وبين الدين بما هو إطاعة لله ،ويكون بالتالي الفقه جهد عقلي يهدف إلى تنظيم المجتمع من داخل أطره وما يعيشه لا من خارجه مما يؤدي إلى انفصال الفقه وحتى لا يكون الفقه عائقا في وجه تطور المجتمع .
إن السياسة وما يدور في فلكها من إشكاليات هي من أبرز ما يتناوله الوعي العربي بأطيافه ، إن هذا الاهتمام بالسياسة يمكن أن يقود إلى طرق شتى فيمكن أن يكون ناتج الاهتمام هو اعتبار السياسة هي تلك العصا السحرية التي يمكن استخدامها كمعطى ناجز فهي كيان مفرغ يحددها ما يملؤه لهذا فيركز على المضمون وحده في تحريك السكون العربي أو التحول إلى الحضارة إلى فعل ، إن أزمة هذه الرؤية أنها تخلط السياسة بأدوار أخرى فتضيع السياسة ويؤدي ذلك إلى طمسها ونفيها والإحلال مكانها لكن بمنطقها أو في تقمص دورها مما يؤدي إلى الضياع المتبادل لأصحاب الدور وللشخصية ، إن هذا يمكن أن يعد من التفكير في السياسة من خارجها أي من غير ما هي تعنيه من تسوية للمصالح ورعايتها ، إن هذا التفكير لا يقود إلى خلق مناطق أخرى من الأزمات التي لم تكن موجودة فحسب بل إلى التعمية على الوعي لإدراك أنه أصبح خارج الإشكالية مما يؤدي إلى تضخيم حجمها لكن بأخرى ودون حل الأولى مما يؤدي إلى توالد الإشكاليات بصيغة مستمرة . إن الدور الذي تتطلع إليه السياسة ينتفا مع استمرارية هذا التفكير من الخارج ويحول إلى معكوس السياسة أي إلى ضرب التوازنات وتفويت المصالح .
هذا هو الذي يكون عندما يرتكز على الدين في تكوين السياسة باستخدام الدين في السياسة أو محاولة تديين السياسة يقود إلى النفي المطلق لمنطقيهما وتفتيت الدين كمخزون للوعي الجمعي وارتكاز لرأس المال الاجتماعي وذلك بجعله طرفا سياسيا يطمح إلى تبني مصالح في وجه أخرى إن هذا التفتيت هو الذي يؤدي إلى إضعاف قدرة الدين على أن يكون الحاضن للجماعة والبعد الرئيسي أو بنية ثقافتها بالربط بين أبناها على مبدأ التوحد والتضحية وصناعة الذات المسؤولة .
إن هذا الخلط ينفي السياسة من كونه يحمل دور الدين أي مسألة الهداية بما تعني التركيز على الإيمان والنفس الزكية في العملية السياسة بما تعني الموازنات والمصالح وتسويتها فعندها تكون التزكية جزء من السياسة وأضف ما شئت من التداخل بين المنطقين اللذان هما في الحقيقة متوازيين ، إن هذا المنطق يجعل الدعوة السياسية تبني ذاتها على أساس الإيمان الديني أي على أساس دنيا الآخرة لتضيع عندها السياسة بما تعني بناء المصالح الاجتماعية وتدعيمها ، وأيضا بينما يعني هذا الخلط من تحول الدين من حرية الضمير إلى محاكم التفتيش أي أنه يمارس بالفرض من الدولة عندها لا يليق بهذه الدولة اسم أكثر من المؤسسة التبشيرية التي تؤدي العمل الديني في الحقل السياسي .
هذا هو حال معظم الحركات الإسلامية التي ظهرت في النصف الأول من القرن الفائت عندما دخلت المعترك السياسي وهذا أيضا هو الذي يفسر تحولها إلى تمركزات طائفية بما تعني الكلمة من معاني لأنها تراهن على الدين في السياسة وتماهي بين الدين وما تقوم به من دعوة تحت مسمى تطبيق الشريعة، إن هذه الأخيرة تشكل مركز اتفاق الحركات الإسلامية بما هي تعني النظرة القانونية للتشريع الإسلامي في محاولة خلق الشرعية للمجتمع وتنظيمه ، لكن المشكلة التي بدأت بالخلط بين الديني والسياسي تظهر هنا بظهور الشريعة كقانون – أي وضعية مبنية على تراضي الناس أو ما يسمى الإجماع- تعبير عن إرادة الله ليزول عندها أي معنى للقانون كتمثيل للإجماع مرتبط بمصالح المجتمع وليس معتمدا على درجة الإيمان ، إن هذا الخلط يقتل أي سياسة أو أي محاولة لفهم السياسة لأنه يدرس السياسة من الخارج أو كما قلت باعتبارها كيانا مفرغا تملأ بالدين
إن هذا هو ما قاد إلى القول الذي قاله ناصر العمر في التحليل السياسي عندما أركزه على الدين أي بالمثال في مسألة الغرب ليكون التحليل عندها ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى…) هكذا ينتج عن الخلط نفي كلي لأي معنى سياسي للتحول إلى أداة في يد الطائفية .
أخيرا إن للسياسة بنيتها ومنطقها الخاص وساحة عملها وينبغي إدراكها بهذا المنطق لا اعتبارها كيان فارغ يملأ لتتقزم إلى أداة تسير بغير منطق ذاتي ولا اتساق داخلي ، وإن هذا النفي المتكرر للسياسة ينتج ظهور الأخيرة بمظهر الطائفية والرفض المطلق والتقوقع حول المطالب التي لا يمكن أن تتم إلا كلها أو لا .و إن هذا الخلط يمكن أن يحدث مع غير الدين عندما يراد للسياسة أن تكون بغير منطقها أو يمارس منطقها على غير مجالها أي كلما أريد تجير السياسة بمنطق آخر مثل المنطق الأخلاقي الذي يفترض أنه يبنى على أساس التضحية بينما السياسة تبنى على أساس المكاسب وأيضا بمنطق المصالح الشخصية بينما السياسة تعني التسوية بين المصالح العامة إن النفي للسياسة وتشويهها لا يقود إلا إلى تكريس ضياع المفهوم السياسي وانعدام عمله بالتالي ظهور المفاهيم الأخرى في الساحة التي كانت للسياسة ليتقاسمها أصحاب القوى في المجتمع وتخضع السياسة عندها لمفهوم الأقوى .
إن هذا الغياب للسياسة هو الذي يؤدي إلى استنبات الخوف من السياسة لدى العامة لأنها تظهر بمنطق غير منطقها وهو أيضا يفسر التسطيح السياسي لدى مجتمعنا والتعلق بالبطل التاريخي .
لتصبح السياسة عندنا أو عند العامة هي عبارة عن منح وعطيات ونصائح وتوصيات ، هل بعد هذا يرجى انجاز سياسي ؟ هل يمكن لنا أن نتقدم سياسيا إذا لم نعطي للسياسة منطقها ونعيد ترجمتها على معطيات العصر؟ هل يقود هذا الاحتراب حول احتلال موقع السياسة إلا إلى نفي لمنطق الجماعة تحت نير الطائفية أو المصالح المطلقة؟ هل يصبح مع زوال منطقها للمجتمع بما هو مكون السياسة الحقيقي أي معنى في تكوين معادلتها الجديدة المبنية خارجها؟

أحدث التعليقات