هذا هو المقال التي وعدت به” عن الانفصال”.
مقدمة أولى: إن المجتمعات التي فقدت التوازنات الداخلية التي تكون اللحمة الثقافية تلجأ إلى أقل صيغة تفكيكية لها للمحافظة على وحدتها حتى لا تتحول إلى عمليات انفجارية ذرية فتصل إلى نزعات وحدانية أنانية يقتل فيها تاريخها وتدمر مدنيتها .وهذه المجتمعات التي تعاني من حالات التفكك تظهر مشكلاتها في بنيتها العميقة لأنه حينها يفقد النسق الثقافي استيعابه للأيدلوجيات في داخله فتبحث الأخيرة عن مبرراتها خارج هذا النسق الذي لم يعد يمثل الوحدة والتوليفة المناسبة لها.
مقدمة كبرى: إن مجتمعنا حكمته عقلية النخب أكثر مما هو حكم ذاته تلك العقلية التي جعلت من الدين المربط الذي تنتظم حوله أمور الحياة وسيدة في هذا منطق الحلال والحرام . بالتالي كان المجتمع مجتمعا يرتبط بهذه العقلية لدرجة كبيرة.
إن مجتمعنا يعاني من حالة طمس المجتمع المدني وارتداده إلى صيغ أوليه – قبلية عشائرية حتى أحيانا يصل إلى صيغ أكثر بدائية فلا يكون هناك أي تمثيل جماعي – فهو يدخل في حاله من العدم الثقافي الذي يقوده إلى اللافاعلية والاستقالة من التاريخ ، إن مع هذه الحالة يدخل المجتمع مرغما في التحديث فينشأ مع هذا حالة من عدم التوافق داخل العلائق الأساسية التي تحكم المجتمع بين التنظيم الاجتماعي والحالة الموضوعية ، عندها يتعاظم التوتر بين الوعي والواقع في محاولة إلى استدراكه ، في هذه اللحظة لا تظهر المشكلة إلا في العمق في الإطار التنظيمي للثقافة (الدين) الذي يمثل المناعة الذاتية التي تسعى إلى حفظ الثقافة من الانحلال فيسترشد بالدين في محاولة التمرير الشرعي للواقع ليدخل داخل المنظومة الثقافية.
طبعا هذا لا يعني الاستسلام ولا التوفيق لكن محاولة خلق التوتر الفعال بين الوعي والواقع أي محاولة إشراك الواقع في عملية تكوين الوعي والعكس ، لكن ما حدث عندنا هو عطب هذه المناعة عن الاستدراك واستمرار تفكك المجتمع وإدارة عجلة التدمير الذاتي بشكل أسرع .
حتى يصل الوعي إلى درجة الانفصال الكلي عن الواقع ويصل الواقع إلى درجة نبذ الوعي عندها يصبح كل واحد منهما لا معقول بالنسبة للآخر ، في هذه المرحلة يدخل المجتمع في الانفصام مع الذات فيصبح مجتمع النفاق الذي يعيش في وعي لا يدرك الواقع بل يرفضه فلا يبقى للمجتمع أي توازن حقيقي يلملم ذاته فلا مجتمع مدني يحتكم إليه ولا وعي يستطيع أن يرتمي فيه فيصبح الواقع فرض من الإثم والوعي رمز للانعزال عند ذلك يبدأ المجتمع – الثقافة الشعبية على حد تعبير برهان غليون- في فقد مقاييسه فيضيع أو يرتاح إلى المنطق البرغماتي التجريبي الذي يحكم أفعاله تحت حاكمية المنفعة المحضة فيمكن للخطأ أن يصبح صواب ويمكن للصواب أن يتحول إلى خطأ لا توجد أي معايير ثابتة فالواقع هو الذي يحكم نفسه .
وهناك مشكلة أخرى قد تخص أصحابها هي زوال الدين من الحياة اليومية بفعل من أراد إشراكه فيها فلا يصبح للدين – للحلال والحرام- أي قيمة عند الناس لأن هذا الأخير يصر على مواجهة الواقع وعدم إشراكه في تكوين البنية اللاحمة وهذا قد يكون قد بدا للناظر الغير متخصص ليجد غايته أينما أراد إن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى زوال طمس الدين وتشويهه بل إلى التشبه بالكنيسة – وكما يقول الترابي أوضاع الإسلام التقليدي في كثير من البلدان أشبه بأوضاع الكنيسة النصرانية – فيدخل على المنظومة الثقافية ما ليس منها من انفصال حقيقي للدين عن الأخلاقيات وحياة الناس – طبعا ما ليس منها في الأصل وإلا ما هي المنظومة إلا توترات الوعي والواقع بالإضافة إلى كليات سياسية واجتماعية- .
ولكن الذي يفاقم الأوضاع تحول الدين إلى أيدلوجيا تسعى إلى تبرير الواقع بضلال الناس والغزو الأجنبي وتمضي في محاولات الدعوة لتشعل فتيل التوتر أكثر وأكثر وتؤدي فعلا إلى انفصام لكنه متفاقم انفصام يقود إلى حرب ضمنية بين هذه الأيدلوجيا والمجتمع ولا يصلح أبدا عطل الثقافة واتزانها .
طبعا هذا يؤدي إلى عطب هذه الأيدلوجيا وإلى ظهورها بحركات بهلوانية فهلوية وارتجالية تضحك الواقع الذي لا يعقلها ويعدها من اللامعقول .
رفقا بالدين ويكفي بنا زجه في السجالات واحتكاره وأدلجته يكفي تمزيقا لوحده المجتمع به يكفي إساءة اداركه . ألم يكفي ما يعاني منه المجتمع من انفصالات مزقته فيأتي هذا الانفصال مع وعيه وذاته . لكن في النهاية سيكتب على هذه الأيدلوجيات انتهى .

1 comment
Comments feed for this article
مايو 30, 2008 في 4:33 م
عبدالمجيد البلوي
…..انفصال الوعي عن الواقع هو مشكلة كل الايديولوجيات التي تتغيا التغيير في الواقع العربي اليوم ..فلا الاسلاميين يشتبكون بالواقع بشكل صحيح ولا الاتجاهات المسماة بالليبرالية ايضا ….والجميع لديه ايديولوجيا منعزلة ومنفصلة ….تمارس القمع والالغاء للواقع تحت حجج شتى ….الايديولوجيات التغييرية اذا صح التعبير , جميعها تشكلت خارج اطار الواقع والدور الذي الوحيد الذي مارسه الواقع عليها هو دور الاستفزاز ولكن منالخارج لا من الداخل , اذا ظل الواقع تحدي قائم خارج الذات الايديولوجية ..
ومع هذا الا اننا نظل نواجه سؤال ملح وجاد , وهو الى حد نستطيع الممايزة بشكل حاد وحاسم وواضح بين الواقع وبين الوعي او الايديولوجيا , اليست هذه ايضا هي جزء من الواقع , فالوعي بها ضروري من اجل تجاوزها ..