((اختلف الناس في العزلة والمخالطة أيهما أفضل؟ مع أن كل واحد منها لا تنفك عنه فوائد وغوائل وأكثر الزهاد اختاروا العزلة)) مختصر منهاج القاصدين. هذا الخطاب كان في القرن الخامس الهجري ليبدي إشكالية من إشكاليات الوعي الديني ((العزلة)) التي طرحت عليه واختلف الناس حولها مجادلة واصطكاكا . إن استبيان هذه الإشكالية داخل الظرف التاريخي يقودنا إلى تاريخانية تحدد البعد البنيوي لها فقد كان الظرف التاريخي يعمق لحظة انفصالية بين الإسلام المعياري والإسلام الاجتماعي فما زال قرع سيوف الصليبين يدوي ولم تعد لكل جواد كبوة تفي تفسيرا عن حال الخلافة ومع هذا فالوعي الديني كان يتعرض لمشكل ايبيستيمولجي(محتوى معرفي) يتمظهر في مماحكات بين العقل والنقل ، فكانت العزلة استجابة الفار بدينه وكأنني أستمع إلى أحاديث مثل ((يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر))، ولعل هذا يفسر ظهور التصوف وانتشار أتباعه . إذا كان الأساس البنيوي لهذه الإشكالية الاستجابة لزمان قلت فيه العلائق الدينية ليطرح عندها الوعي هذا السلوك ليكون هذا الأخير موضوع النقاش .
ولكن لنقرأ نصا في زمننا هذا لا أعتقد أن يسفر عن جديد ولا يظهر أكثر من تجلي الواقع ((ويتوهم الكثيرون أنهم قد أذن لهم بالقعود حين قرر الفقهاء أن الدعوة فرض على الكفاية ويختارون أنفسهم في الطائفة المتخارسة …))-التشديد ليس من الكتاب- المنطلق .((الدعوة)) هذه مقتطفة من كتاب كله على شاكلة أذن تفريغ الأمر الإلهي في الوعي الإنساني ، عموما هذا النص أيضا يحتاج إلى تحديد البعد البنيوي وإضافة الظرفية التاريخية فقد قيل هذا النص داخل جماعة تنظيمية أسبلت على نفسها لباس التمثيل الحقيقي للأمة الحقيقية أيضا فمخاض هذا النص لا يقرأ إلا داخل هذه الجماعة التي لا يسع المجال لاستعراضها لكن سأسرد ما يهمني في التحليل الأخير . ولا يعني هذا أن النص في تحليله يقتصر على الجماعة فقد انخرطت فيه مجمل الحركات الإسلاموية .
كان الشيخ حسن البنا هو الذي أسس هذه الجماعة ليجعلها سببية منعه للنظام الحزبي إذ هي التمثيل الحقيقي لوحدة الأمة –هذا رغم انفتاحه الجزئي –رحمه الله- على النظام الدستوري- لتصبح المكانة الضمنية للجماعة خلافة الله في أرضه ، ليأتي بعد ذلك سيد قطب ليفصح الضمني في صورة أكثر راديكالية المختصرة في ((الجاهلية)) لترسخ في هذا الوعي التعالي عن المجتمع ((فتية آمنوا بربهم)) – الهضيبي عندما كتب دعاة لا قضاة أفرغ جهده على الحاكمية ولم يمس بعمق المكانة الإلهية للجماعة- إن هذا الشعور الذي يلتقي مع إرادة الله في أرضه هو تعبير عن مقارنة ضمنية بين المجتمع أ والجماعة ب ليكون أ هو نقيض ب السلبي لتظهر تجليات هذا الشعور المتعالي في أدق التصرفات ((الابتسامة )) لتكون للدعوة ولتحبيب الناس في الجماعة أو لتكون صفراء فاقع لونها، لنعود للواقع الموضوعي الذي نشأت فيه هذه الفكرة فقد كانت إبان صدمة الخلافة للوعي الديني وموازية لاستمرارية الاحتلال الأجنبي وأيضا لظهور الرؤى الحداثية . إذا كان الأساس البنيوي لهذه الإشكالية الاستجابة لزمان قلت فيه العلائق الدينية ليطرح الوعي هذا الحل.
لكن عند محاولة التحليل البنيوي للمضمون الأيدلوجي لهذه الاستجابتين نجدها تعبير عن شعور بامتلاك القيم المعيارية الخالصة الواحدة ونجد في كلتيهما انفصال عن الوعي بالمجتمع ليكون هناك تمركز للوعي بالذات الحاملة للنص إن هذا الانفصال هو سمة لا تزال تزاول تكرارها في الوعي الديني .
لا يمكن جر الأولى لساحة الثانية مطلقا ، لأننا نجد الأولى تعتريها رقة التصوف الكامنة في السلوك الانعزالي ، ولكن الثانية تسلك سلوك التأثير على المجتمع وكأني أسمعهم يرددون ((لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)) ثم يؤكدونها بتفسير أبا بكر لها . ليؤكدون المحاولة للاستتباع الاجتماعي للمعياري الذين هم حملوه والذي أيضا يفتقر البعد التاريخي ولم أقل الوعي التاريخي لأن هذا الأخير نادرا ما يكون عندهم.
المستخلص: هو ادراك بنية المضمون الأيدلوجي وهي إبعاد المجتمع عن دائرة الوعي بالتالي العقلية اللاتاريخية بالتالي الرؤية الشوفونية للذات هذه السمة التي ارتبطت رغم اختلاف التاريخ والمكان لتربط الوعي القديم بالحديث.
عموما إن هذا الانفصال وهذه النظرة الشوفينية((الاستخلافية)) هي التي سوف تزيد من هامش الحرب الأهلية أو من الكنيسة الإسلامية التي لا أعتقد أنها أنجع مصيرا من الأولى النصرانية . ولكن لندع الزمان يتحدث ونحن سنتحدث أيضا في مقال حول تبيان أكثر لهذا الانفصال .