إن الذي يقرأ كتاب الدكتور محمد جابر الأنصاري العرب والسياسة أين الخلل؟ جذور العطل السياسي يلحظ الالتفات إلى كتابين قد سبقاه بصيغة المشروع وهما التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام و تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ، إنه عند هذا الالتفات يعطي المشروع صياغته الاسمية (تكوين العرب السياسي) وأنا أحاول أن أعرض هذه الكتب.
تنطلق هذه الكتب من اطار معرفي يتركب من المكون الجغرافي (الصحراء)، ثنائية البداوة/التمدن ،مغزى الدولة القطرية
يتفرع عن الأول : أن العالم العربي يخضع للصحراء في 90% من أرضه وأن هذه الصحراء أرض منبسطة محاطة بهضاب تجعل الحماية للمنطقة تأخذ مفهوم عكسي إذ الحماية للهضاب وليست للمنطقة وهذه الهضاب هي الحبشة والأناضول وايران ويكمن برهانه على الحماية العكسية قول ابن خلدون أن العرب لا تحتل إلا البسائط والدليل الفعلي أكراد العراق الذين لم يصلهم التعريب ..- ونلحظ اختفاء الاتصال التركي وانحسار عامل القومية أمام الجغرافيا- وهذه الصحراء قادت إلى الانفصال المكاني بين المناطق المدنية ، وهذا المكون الجغرافي يعاكس ما تعود على تكراره من الوحدة القومية للصين مثلا التي رغم الإجتياحات ظلت محافظة على السحنة المدنية عند هذا يذكر الخصوصية المثقلة لهذه المنطقة لنصل إلى الاطار الثاني .
تحت هذه الثنائية والمكون الجغرافي تنطلق دعوة لإعادة كتابة التاريخ العربي ليطرح هذا الأخير على أنه سلسلة ممتدة من الاتصال والانفصال عن الزمان والمكان أي سلسلة من الاجتياحات الرعوية ومن تمظهرات القبيلة تحت عباءات مختلفة أهما الدين الذي اصبح العباءة المتواترة بعد رفع المصحف، إذا الاجتياحات الرعوية هي النموذج التفسيري للتاريخ العربي ، الاجتياح الرعوي يعني اختراق القبيلة للمدينة لإحلال عاداتها ، ومن الأمثلة لإستخدامها تفسيريا تحول العواصم العربية في تعداد لم يسبق له مثيل وأيضا في انقلاب الحال من عهد المأمون إلى عهد المتوكل في مدة زمنية قصيرة عندها لا يمكن تفسيره-على حد قوله- إلا بالاجتياح المتمثل في سامراء . إن هذه الاجتياحات ساعدت في انفصال زماني بين الدولة واللادولة يصل الأنصاري إلى هذه الحقيقة في الكتاب الأول ولكنه لا يكتفي بهذا القدر في الكتاب الآخر سوسيولوجيا الإسلام ، فيؤصل رفض الإسلام للبداوة تحت شعار ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)) عند هذه الآية التي تدل عنده على مدنية الإسلام والربط بين الإيمان والتمدن بالتالي تصبح البداوة شرخ في الإيمان لدرجة أن هذا الانتقال المكاني -من الحضر إلى البداوة- في حكم المحظور والمكروه إلى درجة إدخاله في دائرة الكبائر والردة ! في هذا الجزء من الكتاب الثاني يتحول الأنصاري إلى مؤصل ديني بعد أن كان يطرح أفكاره على المستوى النظري-ويكمن الإعتراض في اختلاط لغة المنهجية العلمية بين مستويات متعدد واعادة صياغة الأفكار على لغة داخلية وعلم بالظل كما يقول بعض فلاسفة المسلمين- ، وأيضا يقوم بتفسير الأحاديث والآيات في صورة رجل الدين . عند هذا يثبت العلاقة العكسية بين حقيقة الإيمان والبداوة ، عند هذا القدر ينطلق في الإطار الثالث بعد إعادة صياغة نظرية ابن خلدون بصيغة توسعية ليدرك ما غفل عنه –على حد قوله- وهو الاجتياحات الرعوية الخارجية .
في الاطار الثالث يبنيه المؤلف على أكثر من مستوى :
1.دراسة حالة الدولة واللادولة .
2.مرحلة الإقطاع المؤجلة.
3.ترابط المجتمع المدني وتكون الدولة.
في المستوى الأول يثبت الأنصاري سيطرة التناقض في حالة الدولة في الوطن العربي، إذ الاجتياحات التي تفرض هذا التناقض وتلغي الترابط الزمني ، وأيضا ازدواجية الدولة وضدها خصوصا في العهد العثماني إذ كانت بعض المناطق لا تخضع للدولة وتعيش وضعية النقيض .
في المستوى الثاني يناقش دعوى حدوث الإقطاع في العالم العربي ليبطلها في التفريق بين الوضع الأوربي والعربي في مفاصل الإقطاع الرئيسة التي من ضمنها ملكية الإقطاعي ، وبعد نقاش مع الدعوى تخلله اتهام بأن أصاحبها ذوي طرح أيدلوجي غير علمي – الأمر الذي ملأ كتبه الثلاثة- لينطلق بعد ذلك إلى إثبات أهمية المرحلة الإقطاعية في التاريخ الأوربي في تكوين الدولة وبناء مؤسساتها بالتالي أهمية مرور المنطقة العربية بذلك لذات السبب –عند ذلك يبرر تسلط الدولة ضمن المقارنات بين الإقطاعيتين- يقول الأنصاري ذلك في ضمن التشنيع على الرؤى الأيدلوجية .ومن النتائج لهذا التحليل أن هذه المرحلة هي تجربة العرب السياسية الحقيقية بعد أن كانوا طوال قرن من الزمان داخل تنور الاجتياحات الرعوية- الأتراك وبلاد فارس والمماليك…-
في المستوى الثالث يطرح الدولة القطرية على أنها هي مرحلة إقطاعية وعلى أنها وحدة وليست تقسيم ، ويؤكد على ذلك بإعادة تاريخ المنطقة قبل الدولة القطرية .
لكنه عند ذلك يؤكد أن الديمقراطية و المجتمع المدني تحتاج إلى:
1.دولة مكتملة المؤسسات.
2.استقرار سياسي.
وعند هذا أيضا يشنع التعصب الأيدلوجي في الدعوى إلى الديمقراطية دون أن تكتمل الروافع ،لكنه في ذلك يخضع لإشكالية الحرية/تكوين الدولة في عرضها كمسألة تنافسية بينهما ، ففي صفحات يعرضها كسؤال يترك جوابه للقارئ وفي أخرى يخوض في تقديم وتأخير دون جزم ولكنه بعد كل الطرح التنافسي يعود لمسألة بناء الدولة واستقرارها .
بعد هذا العرض يبقى أن الكتب الثلاثة مليئة بالتكرار ووضوح عدم النظرة المسبقة للكتابة في الموضوع كمشروع ، ووضوح اختلاط دور المثقف ورجل الدولة ، ولا بد من التفكير في سبب إعادة تكرار الأيدلوجيا في مقابل العلمية والتشنيع على الأخيرة في ضوء طرح الأنصاري وموضعه العلمي ، وإعادة طرح الأسئلة حول أولوية الاجتياحات الرعوية في ظل لغة الأحداث الداخلية خصوصا في عصر المأمون ، ويلحظ علاجه لثائية البداوة/التمدن بقطيعية لا بلغة تجاوزية لإدارك أبعاد القضية ، ولا أدل على القطيعة من اقامة الحد الديني لدرجة اعتبار الانتقال المكاني بين بيئة المدينة إلى البداوة في درجة الردة.

No comments yet
تلقيمات التعليقات لهذا المقال