You are currently browsing the monthly archive for مايو, 2008.
هذا هو المقال التي وعدت به” عن الانفصال”.
مقدمة أولى: إن المجتمعات التي فقدت التوازنات الداخلية التي تكون اللحمة الثقافية تلجأ إلى أقل صيغة تفكيكية لها للمحافظة على وحدتها حتى لا تتحول إلى عمليات انفجارية ذرية فتصل إلى نزعات وحدانية أنانية يقتل فيها تاريخها وتدمر مدنيتها .وهذه المجتمعات التي تعاني من حالات التفكك تظهر مشكلاتها في بنيتها العميقة لأنه حينها يفقد النسق الثقافي استيعابه للأيدلوجيات في داخله فتبحث الأخيرة عن مبرراتها خارج هذا النسق الذي لم يعد يمثل الوحدة والتوليفة المناسبة لها.
مقدمة كبرى: إن مجتمعنا حكمته عقلية النخب أكثر مما هو حكم ذاته تلك العقلية التي جعلت من الدين المربط الذي تنتظم حوله أمور الحياة وسيدة في هذا منطق الحلال والحرام . بالتالي كان المجتمع مجتمعا يرتبط بهذه العقلية لدرجة كبيرة.
إن مجتمعنا يعاني من حالة طمس المجتمع المدني وارتداده إلى صيغ أوليه – قبلية عشائرية حتى أحيانا يصل إلى صيغ أكثر بدائية فلا يكون هناك أي تمثيل جماعي – فهو يدخل في حاله من العدم الثقافي الذي يقوده إلى اللافاعلية والاستقالة من التاريخ ، إن مع هذه الحالة يدخل المجتمع مرغما في التحديث فينشأ مع هذا حالة من عدم التوافق داخل العلائق الأساسية التي تحكم المجتمع بين التنظيم الاجتماعي والحالة الموضوعية ، عندها يتعاظم التوتر بين الوعي والواقع في محاولة إلى استدراكه ، في هذه اللحظة لا تظهر المشكلة إلا في العمق في الإطار التنظيمي للثقافة (الدين) الذي يمثل المناعة الذاتية التي تسعى إلى حفظ الثقافة من الانحلال فيسترشد بالدين في محاولة التمرير الشرعي للواقع ليدخل داخل المنظومة الثقافية.
طبعا هذا لا يعني الاستسلام ولا التوفيق لكن محاولة خلق التوتر الفعال بين الوعي والواقع أي محاولة إشراك الواقع في عملية تكوين الوعي والعكس ، لكن ما حدث عندنا هو عطب هذه المناعة عن الاستدراك واستمرار تفكك المجتمع وإدارة عجلة التدمير الذاتي بشكل أسرع .
حتى يصل الوعي إلى درجة الانفصال الكلي عن الواقع ويصل الواقع إلى درجة نبذ الوعي عندها يصبح كل واحد منهما لا معقول بالنسبة للآخر ، في هذه المرحلة يدخل المجتمع في الانفصام مع الذات فيصبح مجتمع النفاق الذي يعيش في وعي لا يدرك الواقع بل يرفضه فلا يبقى للمجتمع أي توازن حقيقي يلملم ذاته فلا مجتمع مدني يحتكم إليه ولا وعي يستطيع أن يرتمي فيه فيصبح الواقع فرض من الإثم والوعي رمز للانعزال عند ذلك يبدأ المجتمع – الثقافة الشعبية على حد تعبير برهان غليون- في فقد مقاييسه فيضيع أو يرتاح إلى المنطق البرغماتي التجريبي الذي يحكم أفعاله تحت حاكمية المنفعة المحضة فيمكن للخطأ أن يصبح صواب ويمكن للصواب أن يتحول إلى خطأ لا توجد أي معايير ثابتة فالواقع هو الذي يحكم نفسه .
وهناك مشكلة أخرى قد تخص أصحابها هي زوال الدين من الحياة اليومية بفعل من أراد إشراكه فيها فلا يصبح للدين – للحلال والحرام- أي قيمة عند الناس لأن هذا الأخير يصر على مواجهة الواقع وعدم إشراكه في تكوين البنية اللاحمة وهذا قد يكون قد بدا للناظر الغير متخصص ليجد غايته أينما أراد إن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى زوال طمس الدين وتشويهه بل إلى التشبه بالكنيسة – وكما يقول الترابي أوضاع الإسلام التقليدي في كثير من البلدان أشبه بأوضاع الكنيسة النصرانية – فيدخل على المنظومة الثقافية ما ليس منها من انفصال حقيقي للدين عن الأخلاقيات وحياة الناس – طبعا ما ليس منها في الأصل وإلا ما هي المنظومة إلا توترات الوعي والواقع بالإضافة إلى كليات سياسية واجتماعية- .
ولكن الذي يفاقم الأوضاع تحول الدين إلى أيدلوجيا تسعى إلى تبرير الواقع بضلال الناس والغزو الأجنبي وتمضي في محاولات الدعوة لتشعل فتيل التوتر أكثر وأكثر وتؤدي فعلا إلى انفصام لكنه متفاقم انفصام يقود إلى حرب ضمنية بين هذه الأيدلوجيا والمجتمع ولا يصلح أبدا عطل الثقافة واتزانها .
طبعا هذا يؤدي إلى عطب هذه الأيدلوجيا وإلى ظهورها بحركات بهلوانية فهلوية وارتجالية تضحك الواقع الذي لا يعقلها ويعدها من اللامعقول .
رفقا بالدين ويكفي بنا زجه في السجالات واحتكاره وأدلجته يكفي تمزيقا لوحده المجتمع به يكفي إساءة اداركه . ألم يكفي ما يعاني منه المجتمع من انفصالات مزقته فيأتي هذا الانفصال مع وعيه وذاته . لكن في النهاية سيكتب على هذه الأيدلوجيات انتهى .
انطلقت فكرة الكتابة في هذا العنوان من خطبة جمعة تكلم فيها الخطيب عن سد الذرائع والمرأة ومن أغرب ما أورد في الخطبة قصة لطاؤوس-أحد السلف- أنه كان لا يمضي مع ركب بينهم امرأة !!!!! وددت حينها أن أمضي لكن …
إن التعقيد يتجمع بكثير من ألوانه في وضع المرأة الذي بدوره يحتضن الثنائيات المختلفة والمتعارضة ، هذا على الصعيد النظري ولكن على الصعيد العملي فهو متمخض عن تصفية المرأة لصالح رؤية دينية محددة كانت المشرع الرسمي للحياة الاجتماعية للمرأة، لذلك سعيت في هذا المقال لفهم وضعية المرأة من خلال تفكيك المنظومة الفقهية التي تكتنز الأوامر المشاهدة فعلا .
ولا أعتقد أن طبيعة الواقع العام للمرأة يخفى لكنني سأسعى في هذا المقال إلى التفكير من خلال سؤال ومثال هما :ما هي البنية الفكرية لهذه المنظومة ومثال الحور العين.
في الأولى يطرح سؤال وهو ما هو الكلي الذي يفسر الخطاب عن المرأة ؟ إن هذا الكلي يمكن أن يظهر من علية القوانين المصاغة عن المرأة ، بمجرد المسح السريع حول الفتاوى المتتالية حول موضوع المرأة تظهر العلة وهي فتنة الرجال – تعطر المرأة ،الاختلاط والنقاب هذا بأصول الفتاوى وفيما دون أوضح- ولكن قبل ذلك أليس المرأة عنصر ديناميكي داخل المجتمع بالتالي يجب فهمها داخل جدلية المرأة والرجل إذا ما المشكل في هذه العلة ؟ إن المشكل في هذه هي طرح الجدلية العرجاء التي تفترض ثبات طرف ودينامية آخر فتختزل المرأة داخل هذه المنظمة الفقهية إلى شيطان يثير المجتمع فهي تقبل بوجه شيطان وتدبر به وأما الطرف الآخر فهو العنصر المتحرك داخل المعادلة و يحكم حركته ثبات الأول إلى حد ما – لأن المتأثر المرأة فلا يلبث الرجل إلا أن ينفك من المعادل- . هذا كله يقود إلى تحول هذه الجدلية إلى معادلة شبه جامدة وهي : مصدر الفتنه +متلقي = فتنة داخل هذه المعادلة يمكن فهم العقلية الفقهية التي توجه فقه المرأة في المجتمع،ولكن ما الاشكاليات التي تفرضها هذه العقلية ، الأولى وهي تصفية هذه المعادلة لعنصر النسق الاجتماعي فهي تدور حول افتراض لوضع متوهم داخل ظروف غير محسوبة ، والثانية وهي أن رغم ثبوتية وضع المرأة إلا أنها هي الفاعل لما يصدر من أحكام في الأعم الأغلب وهذا يؤدي إلى تبعية المرأة وتفريغ ذاتها من أي استقلالية حقيقية ، وأخيرا وهو أن هذه المعادلة تقود إلى سحب الإنسانية من المرأة لحساب المادي والجسدي وهذا ينشأ عن ثبوتيتها في المعادلة فهي عنصر الفتنه/المتعة لأنه لا يمكن لهذه العقلية فهم أحكام المرأة الفقهية العامة – أعني بالعامة خروج الكيانات مثل الأم لأنها هنا لا يتعامل معها كامرأة ولكن أم امرأة وغير من أخت و… – إلا داخل افتراضها كجسد ومادة . ولزيادة من التأكيد مثال الحور العين ، إن طرح فكرة الحور العين داخل المنظمة الإسلامية تعني التمثيل لواقع حياتي مثالي داخل الجنة لذلك لا بد من تكامله بنفس الصورة المثالية ، وذكر الحور العين بالطريقة المثالية يدخل ضمن هذا، ويفهم مدى أصالية هذه الفكرة من نفي إدراك كنه الحور العين وتصويرها بالتأثير على الأبعاد النفسية بشكل أكثر كثافة للتأكيد على الطابع المثالي وتقليل بل استبعاد التفكير فيه بصور جسدية ، لكن ما تفعله هذه العقلية هو اختزال الحور العين داخل مجهر مكبر وهنا يكمن المشكل وتظهر المعادلة بخلفيتها-النزعة التجسيدية للمرأة- وتبرز محاولة تأجيل المختزن النظري المحتمل-الفتنة داخل منظومتهم- إلى بناء مثالي بعيد وأعذروني للاستطراد قليلا في مشكل هذا التركيز وهو بناء الصور الخيالية داخل الممكن مما يثير الفتنة .
هناك مفارقة يكن أن تكون مستغربة وهي تهمة الآخر بفعل الذات والتي تظهر في تصوير المرأة كجسد إذا لا تتوانى المنظومة الفقهية في توجيه هذه التهمة للغرب لتقع هي الأخرى فيها، وأنا أعتقد أن وقوها أكثر سوءا لأن الغرب ليس كل واحد ومشكلته تظهر على الواقع وفي الفعل الذي من الطبيعي أنه يخضع للفاعل إلى حد كبير لكن – هذا لا يعني نفي وجود نظريات فكرية تؤكد هذا- ولكن نحن للأسف تقع في المنظومة الفقهية.
في الأخير إن هذه الجدلية العرجاء هي التي حكمت وضع المرأة في السنين الماضية وأعاقت دورها في المجتمع لأنها هي نفسها التي وقفت ضد تعليم المرأة – لأن بيتها أولى لها ، وهذا يؤكد وضع المرأة كفعل ثابت وليس كفاعل مستقل باختصار “التبعية”. ولكن يبقى السؤال عن المستقبل هل ستسمر هذه العقلية في السيطرة على المرأة ؟ لا أعتقد ،إن هذه العقلية تخوض صراع مع واقع أكثر قوة منها ولن تلبث طويلا حتى تحنط داخل أنصارها . إن واقع الحداثة هو مقبرة لكثير من المنظومات العقلية التي تعلن نفسها في مواجه مطلقة معه .
مستخلص : إن الكلمة التي يمكن أن تفسر هذه العقلية هي تبعية المرأة بما تعني عدم استقلاليتها وثبوتيتها لصالح عدم فتنة الرجل ووراء هذا تحويلها إلى جسد .
((اختلف الناس في العزلة والمخالطة أيهما أفضل؟ مع أن كل واحد منها لا تنفك عنه فوائد وغوائل وأكثر الزهاد اختاروا العزلة)) مختصر منهاج القاصدين. هذا الخطاب كان في القرن الخامس الهجري ليبدي إشكالية من إشكاليات الوعي الديني ((العزلة)) التي طرحت عليه واختلف الناس حولها مجادلة واصطكاكا . إن استبيان هذه الإشكالية داخل الظرف التاريخي يقودنا إلى تاريخانية تحدد البعد البنيوي لها فقد كان الظرف التاريخي يعمق لحظة انفصالية بين الإسلام المعياري والإسلام الاجتماعي فما زال قرع سيوف الصليبين يدوي ولم تعد لكل جواد كبوة تفي تفسيرا عن حال الخلافة ومع هذا فالوعي الديني كان يتعرض لمشكل ايبيستيمولجي(محتوى معرفي) يتمظهر في مماحكات بين العقل والنقل ، فكانت العزلة استجابة الفار بدينه وكأنني أستمع إلى أحاديث مثل ((يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر))، ولعل هذا يفسر ظهور التصوف وانتشار أتباعه . إذا كان الأساس البنيوي لهذه الإشكالية الاستجابة لزمان قلت فيه العلائق الدينية ليطرح عندها الوعي هذا السلوك ليكون هذا الأخير موضوع النقاش .
ولكن لنقرأ نصا في زمننا هذا لا أعتقد أن يسفر عن جديد ولا يظهر أكثر من تجلي الواقع ((ويتوهم الكثيرون أنهم قد أذن لهم بالقعود حين قرر الفقهاء أن الدعوة فرض على الكفاية ويختارون أنفسهم في الطائفة المتخارسة …))-التشديد ليس من الكتاب- المنطلق .((الدعوة)) هذه مقتطفة من كتاب كله على شاكلة أذن تفريغ الأمر الإلهي في الوعي الإنساني ، عموما هذا النص أيضا يحتاج إلى تحديد البعد البنيوي وإضافة الظرفية التاريخية فقد قيل هذا النص داخل جماعة تنظيمية أسبلت على نفسها لباس التمثيل الحقيقي للأمة الحقيقية أيضا فمخاض هذا النص لا يقرأ إلا داخل هذه الجماعة التي لا يسع المجال لاستعراضها لكن سأسرد ما يهمني في التحليل الأخير . ولا يعني هذا أن النص في تحليله يقتصر على الجماعة فقد انخرطت فيه مجمل الحركات الإسلاموية .
كان الشيخ حسن البنا هو الذي أسس هذه الجماعة ليجعلها سببية منعه للنظام الحزبي إذ هي التمثيل الحقيقي لوحدة الأمة –هذا رغم انفتاحه الجزئي –رحمه الله- على النظام الدستوري- لتصبح المكانة الضمنية للجماعة خلافة الله في أرضه ، ليأتي بعد ذلك سيد قطب ليفصح الضمني في صورة أكثر راديكالية المختصرة في ((الجاهلية)) لترسخ في هذا الوعي التعالي عن المجتمع ((فتية آمنوا بربهم)) – الهضيبي عندما كتب دعاة لا قضاة أفرغ جهده على الحاكمية ولم يمس بعمق المكانة الإلهية للجماعة- إن هذا الشعور الذي يلتقي مع إرادة الله في أرضه هو تعبير عن مقارنة ضمنية بين المجتمع أ والجماعة ب ليكون أ هو نقيض ب السلبي لتظهر تجليات هذا الشعور المتعالي في أدق التصرفات ((الابتسامة )) لتكون للدعوة ولتحبيب الناس في الجماعة أو لتكون صفراء فاقع لونها، لنعود للواقع الموضوعي الذي نشأت فيه هذه الفكرة فقد كانت إبان صدمة الخلافة للوعي الديني وموازية لاستمرارية الاحتلال الأجنبي وأيضا لظهور الرؤى الحداثية . إذا كان الأساس البنيوي لهذه الإشكالية الاستجابة لزمان قلت فيه العلائق الدينية ليطرح الوعي هذا الحل.
لكن عند محاولة التحليل البنيوي للمضمون الأيدلوجي لهذه الاستجابتين نجدها تعبير عن شعور بامتلاك القيم المعيارية الخالصة الواحدة ونجد في كلتيهما انفصال عن الوعي بالمجتمع ليكون هناك تمركز للوعي بالذات الحاملة للنص إن هذا الانفصال هو سمة لا تزال تزاول تكرارها في الوعي الديني .
لا يمكن جر الأولى لساحة الثانية مطلقا ، لأننا نجد الأولى تعتريها رقة التصوف الكامنة في السلوك الانعزالي ، ولكن الثانية تسلك سلوك التأثير على المجتمع وكأني أسمعهم يرددون ((لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)) ثم يؤكدونها بتفسير أبا بكر لها . ليؤكدون المحاولة للاستتباع الاجتماعي للمعياري الذين هم حملوه والذي أيضا يفتقر البعد التاريخي ولم أقل الوعي التاريخي لأن هذا الأخير نادرا ما يكون عندهم.
المستخلص: هو ادراك بنية المضمون الأيدلوجي وهي إبعاد المجتمع عن دائرة الوعي بالتالي العقلية اللاتاريخية بالتالي الرؤية الشوفونية للذات هذه السمة التي ارتبطت رغم اختلاف التاريخ والمكان لتربط الوعي القديم بالحديث.
عموما إن هذا الانفصال وهذه النظرة الشوفينية((الاستخلافية)) هي التي سوف تزيد من هامش الحرب الأهلية أو من الكنيسة الإسلامية التي لا أعتقد أنها أنجع مصيرا من الأولى النصرانية . ولكن لندع الزمان يتحدث ونحن سنتحدث أيضا في مقال حول تبيان أكثر لهذا الانفصال .
إن الذي يقرأ كتاب الدكتور محمد جابر الأنصاري العرب والسياسة أين الخلل؟ جذور العطل السياسي يلحظ الالتفات إلى كتابين قد سبقاه بصيغة المشروع وهما التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام و تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ، إنه عند هذا الالتفات يعطي المشروع صياغته الاسمية (تكوين العرب السياسي) وأنا أحاول أن أعرض هذه الكتب.
تنطلق هذه الكتب من اطار معرفي يتركب من المكون الجغرافي (الصحراء)، ثنائية البداوة/التمدن ،مغزى الدولة القطرية
يتفرع عن الأول : أن العالم العربي يخضع للصحراء في 90% من أرضه وأن هذه الصحراء أرض منبسطة محاطة بهضاب تجعل الحماية للمنطقة تأخذ مفهوم عكسي إذ الحماية للهضاب وليست للمنطقة وهذه الهضاب هي الحبشة والأناضول وايران ويكمن برهانه على الحماية العكسية قول ابن خلدون أن العرب لا تحتل إلا البسائط والدليل الفعلي أكراد العراق الذين لم يصلهم التعريب ..- ونلحظ اختفاء الاتصال التركي وانحسار عامل القومية أمام الجغرافيا- وهذه الصحراء قادت إلى الانفصال المكاني بين المناطق المدنية ، وهذا المكون الجغرافي يعاكس ما تعود على تكراره من الوحدة القومية للصين مثلا التي رغم الإجتياحات ظلت محافظة على السحنة المدنية عند هذا يذكر الخصوصية المثقلة لهذه المنطقة لنصل إلى الاطار الثاني .
تحت هذه الثنائية والمكون الجغرافي تنطلق دعوة لإعادة كتابة التاريخ العربي ليطرح هذا الأخير على أنه سلسلة ممتدة من الاتصال والانفصال عن الزمان والمكان أي سلسلة من الاجتياحات الرعوية ومن تمظهرات القبيلة تحت عباءات مختلفة أهما الدين الذي اصبح العباءة المتواترة بعد رفع المصحف، إذا الاجتياحات الرعوية هي النموذج التفسيري للتاريخ العربي ، الاجتياح الرعوي يعني اختراق القبيلة للمدينة لإحلال عاداتها ، ومن الأمثلة لإستخدامها تفسيريا تحول العواصم العربية في تعداد لم يسبق له مثيل وأيضا في انقلاب الحال من عهد المأمون إلى عهد المتوكل في مدة زمنية قصيرة عندها لا يمكن تفسيره-على حد قوله- إلا بالاجتياح المتمثل في سامراء . إن هذه الاجتياحات ساعدت في انفصال زماني بين الدولة واللادولة يصل الأنصاري إلى هذه الحقيقة في الكتاب الأول ولكنه لا يكتفي بهذا القدر في الكتاب الآخر سوسيولوجيا الإسلام ، فيؤصل رفض الإسلام للبداوة تحت شعار ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)) عند هذه الآية التي تدل عنده على مدنية الإسلام والربط بين الإيمان والتمدن بالتالي تصبح البداوة شرخ في الإيمان لدرجة أن هذا الانتقال المكاني -من الحضر إلى البداوة- في حكم المحظور والمكروه إلى درجة إدخاله في دائرة الكبائر والردة ! في هذا الجزء من الكتاب الثاني يتحول الأنصاري إلى مؤصل ديني بعد أن كان يطرح أفكاره على المستوى النظري-ويكمن الإعتراض في اختلاط لغة المنهجية العلمية بين مستويات متعدد واعادة صياغة الأفكار على لغة داخلية وعلم بالظل كما يقول بعض فلاسفة المسلمين- ، وأيضا يقوم بتفسير الأحاديث والآيات في صورة رجل الدين . عند هذا يثبت العلاقة العكسية بين حقيقة الإيمان والبداوة ، عند هذا القدر ينطلق في الإطار الثالث بعد إعادة صياغة نظرية ابن خلدون بصيغة توسعية ليدرك ما غفل عنه –على حد قوله- وهو الاجتياحات الرعوية الخارجية .
في الاطار الثالث يبنيه المؤلف على أكثر من مستوى :
1.دراسة حالة الدولة واللادولة .
2.مرحلة الإقطاع المؤجلة.
3.ترابط المجتمع المدني وتكون الدولة.
في المستوى الأول يثبت الأنصاري سيطرة التناقض في حالة الدولة في الوطن العربي، إذ الاجتياحات التي تفرض هذا التناقض وتلغي الترابط الزمني ، وأيضا ازدواجية الدولة وضدها خصوصا في العهد العثماني إذ كانت بعض المناطق لا تخضع للدولة وتعيش وضعية النقيض .
في المستوى الثاني يناقش دعوى حدوث الإقطاع في العالم العربي ليبطلها في التفريق بين الوضع الأوربي والعربي في مفاصل الإقطاع الرئيسة التي من ضمنها ملكية الإقطاعي ، وبعد نقاش مع الدعوى تخلله اتهام بأن أصاحبها ذوي طرح أيدلوجي غير علمي – الأمر الذي ملأ كتبه الثلاثة- لينطلق بعد ذلك إلى إثبات أهمية المرحلة الإقطاعية في التاريخ الأوربي في تكوين الدولة وبناء مؤسساتها بالتالي أهمية مرور المنطقة العربية بذلك لذات السبب –عند ذلك يبرر تسلط الدولة ضمن المقارنات بين الإقطاعيتين- يقول الأنصاري ذلك في ضمن التشنيع على الرؤى الأيدلوجية .ومن النتائج لهذا التحليل أن هذه المرحلة هي تجربة العرب السياسية الحقيقية بعد أن كانوا طوال قرن من الزمان داخل تنور الاجتياحات الرعوية- الأتراك وبلاد فارس والمماليك…-
في المستوى الثالث يطرح الدولة القطرية على أنها هي مرحلة إقطاعية وعلى أنها وحدة وليست تقسيم ، ويؤكد على ذلك بإعادة تاريخ المنطقة قبل الدولة القطرية .
لكنه عند ذلك يؤكد أن الديمقراطية و المجتمع المدني تحتاج إلى:
1.دولة مكتملة المؤسسات.
2.استقرار سياسي.
وعند هذا أيضا يشنع التعصب الأيدلوجي في الدعوى إلى الديمقراطية دون أن تكتمل الروافع ،لكنه في ذلك يخضع لإشكالية الحرية/تكوين الدولة في عرضها كمسألة تنافسية بينهما ، ففي صفحات يعرضها كسؤال يترك جوابه للقارئ وفي أخرى يخوض في تقديم وتأخير دون جزم ولكنه بعد كل الطرح التنافسي يعود لمسألة بناء الدولة واستقرارها .
بعد هذا العرض يبقى أن الكتب الثلاثة مليئة بالتكرار ووضوح عدم النظرة المسبقة للكتابة في الموضوع كمشروع ، ووضوح اختلاط دور المثقف ورجل الدولة ، ولا بد من التفكير في سبب إعادة تكرار الأيدلوجيا في مقابل العلمية والتشنيع على الأخيرة في ضوء طرح الأنصاري وموضعه العلمي ، وإعادة طرح الأسئلة حول أولوية الاجتياحات الرعوية في ظل لغة الأحداث الداخلية خصوصا في عصر المأمون ، ويلحظ علاجه لثائية البداوة/التمدن بقطيعية لا بلغة تجاوزية لإدارك أبعاد القضية ، ولا أدل على القطيعة من اقامة الحد الديني لدرجة اعتبار الانتقال المكاني بين بيئة المدينة إلى البداوة في درجة الردة.

أحدث التعليقات