كثيرا ما يساء إلى الحياة بل يختلق ما هو مثلها خارجها ليتكون في على تخومها وعي هو فيها وليس منها ، وعي ينبت في حدود لا تحدها الحياة ولا يضمه مضمارها فيكون بمعزل عن قوانينها وحدودها، لأنه يبني نفسه على فرض تحقيق ما في الذات دون أي اعتبار لما هو قائم فهو أشبه بالحلم الذي يبني من المستحيلات حقائق ، إن هذا الوعي يعيش في خيال نفسه ولا يدرك شيئا عن الخارج إلا ما يشارك في صناعة آماله الطوباوية أو يؤيد أفعاله . فهو يعيش حياة امتداد لما هو يعتقده ولا يعيش حقيقة .

    إن من أبرز دعائم هذا الوعي القوة الميتافيزيقية الموجودة خارج الطبيعة -الله- الممكنة له وملازمة معه إذ انه يعيش حالة من الانفصال عن الإدراك الحقيقي إلى نوع من المجاز ، إذ هو يفترض معية هذه القوة معه دون غيره ويبني على ذلك الكثير من آماله وتطلعاته ، وبواسطة هذه القوة يعيد فهم الحياة على أنها وهم يخفي وراءه الحقيقة ، عند ذلك يتوارى أي أساس منطقي ليبنى محله الافتراض والظنون لأن الحياة ما هي إلا ذلك الوهم . – إذ ان وجود الله حق لكنهم يجعلونه جزءا من عقلهم وفاعلا معهم -

    إن هذا الوعي يظهر جليا عند النظر إلى تطلعات وتحركات عند أصحاب الأيدلوجيات الحاكمة فتجدها في أغلبها يخالطها نوع من عالم الغيب الذي هم بأنفسهم صاغوه – فإن الغيب لا يكون غيب إذا أدرك – فلا عجب حينها من فهم عجزهم الدائم عن تحقيق آمالهم وبقاءها في أغلبها ممزوجة بشيء من الغيب  . إن الحياة لا يمكن أن تعاش من خارجها ولا يعقل أن تكون عكس ما هي عليه ، ولا يمكن أن يحقق أي نجاح فيها خارج أطرها .

    فأنموذج الدولة الإسلامية هو جزء لا تستطيع أن تدركه كما هو على أكمل وجه بل هو جزء من ذوات أصحابه وعالمهم فليس هناك ما هو قطعي أكثر من كون ((إن الحكم إلا لله)) تلك العبارة التي يمكن أن تجد لها أكثر من رأي حولها من بينهم ، هذا على سبيل المثال لا التفصيل .

    إن هذا الوعي يتمفصل حتى تجده في العملية التربوية التي تسعى أن تستجمع كل الطرق الممكنة لجعل الأفراد جزءا من العالم الخاص بهم فيخلقون عالما آخر بكل ما فيه (( من ثقافة وتقاليد)) فتجد الشخص منهم لا تدرك يقينا أهو في نفس حياتنا أم أن له روحا أخرى في مكان قصي .

   إن تملك هذا الوعي يجعل المجتمع يعيش في حالة فصل حقيقية خصوصا أنه يسعى لتملك الدين وتكوينه كثقافة خاصة به هذا الفصل الذي يطال المجتمع هو نوع من الانقسام الثقافي وتشغيل عداد الانهيار الذاتي لا للمجتمع لكن للدين كجزء من ثقافة المجتمع الخاصة ، لأن هذا الأخير تحول إلى بنية معقدة ومختلقة من القيم التي في أغلبها تعبير عن غيبة وعي أصحابها لا عن المجتمع بل عن الحياة .

 فلا بد من إدراك الحياة من داخلها  وارضاخ كثيرا من المسلمات إلى الشك لأنه حينها يمكن تحرير الوعي من غيبته لأن مجتمعنا خضع إلى أنماط متعددة من هذه الغيبة ولأننا امتداد لتاريخ آخر . إنه لا يوجد في الحياة أكثر من كونها حياة بهذه المقولة البلهاء أختتم المقال .

أحيانا يخنق الوعي السياسي ويلبس لبوسا غير لبوسه أو أنه يكون تعبير عن حالة تناقض فيما بينه وبين المفهوم الأبرز الذي قامت السياسة لأجله ، فتصاغ أطر السياسة حينها على هذا اللبوس ، ولكن الخنق يحدث في حالة التناقض المنطقي بين المفهومين لمحاولة إخضاع أحدهما للآخر .هذا ما يكون عندما تستحوذ الطائفية على الوعي السياسي وتكون المخيال السياسي لدى الأمة ، لكن هنالك سؤال كيف تنشأ الطائفية وماذا تعني وكيف تستحوذ على المخيال السياسي ؟
إن الطائفية تنشأ عن حالة انشقاق ثقافي ، فعندما لا يستطيع النسق الثقافي أن يكون الوحدة العضوية للجماعة ينزع إلى الانقسام ويكون بالتالي نسق آخر جديد منشق من السابق ليحوي الجماعة ويعبر عنها – وإن كانت الجماعة أصغر من الأولى- لكن هذه الظروف المخاضية للطائفية تقود إلى نشوء وعي تصنيفي حتى تستطيع الانشقاق هذا الوعي الذي يقود إلى القطيعة بين أجزاء الثقافة الواحدة ، لأنه لا يمكن أن يتم هنالك انشقاق دون تصفية المساحات المشتركة للثقافة الأولى .
أما عن ماذا تعني الطائفية فهي تعني البناء على أساس التقسيم والطهارة العقدية وتقوم بالإتيان بمخزون لغوي للتعبير عن التقسيم (كافر،خارج،متزندق) وللطهارة (مؤمن ،مسلم) ، لعل هذا التقسيم يوجد في النسق الأول للثقافة لكنه هنا يأخذ أولوية ويزداد تعقيدا ليبني اشتراطات أكثر دقة على الانضمام إلى الجماعة ، فمثلا كانت الشهادتين تفيان بالغرض أصبحت لا تعني غالبا وحدهما شيء عند هذه الطائفية.
أما عن استحواذه على المخيال السياسي فيعني بناء السياسة على هذا الوعي النازع إلى التصنيف والطهورية مما يؤدي إلى خنق اللعبة السياسية وبناءها على أساس متناقض معها فمثلا هذا الوعي يصنع للسياسة الأعداء الدائمين على حساب العقيدة ، وإنه يصنع عقيدة جمعية سياسية قوية لأصحاب الطائفية فهم يرون في المشروع السياسي الطريق إلى الطهارة والفوز ويبنى على هذا محددات سياسية هي أقرب إلى العقدية منها إلى السياسة مثل القطعيات السياسية التي هي تعبير عن إضافة الغيبي للسياسة (الاستمساك بقرار رغم تحتم خطؤه ) ، إن هذا الإشراك العقدي في السياسة يعني زوال السياسة القائمة دوليا فهو وعي مثلا لا يعترف بالحدود السياسية لأن حدوده هي حدود عقيدته .
فيمكن حينها أن تنشأ سياسة لكنها سياسة قائمة على التصنيف والتطهير سياسة تخلق العدائية والعنف ولا تؤدي إلى اطمئنان سياسي ، فهذه السياسة تمتاز بالشعور العقدي الموحد ولكنها رغم ذلك تخضع لسلبيات هذا الشعور وهي بناء جيوسياسية عقدية . وأيضا إن الرابط القومي في هذا المجتمع هو مدى قدرة الدولة على تحقيق إرادة المعتقد أي أن المعتقد هو أساس المواطنة ، إن هذا كله يخلق ما يسمى الطائفية السياسية .
هذا لا يعني عدم نجاح السياسة في تحقيق أهدافها ولكن يعني خلق أهداف جديدة لسياسية خارجة عن إطارها وتحسب عليها ، فيمكن أن تقوم هذه الطائفية بخلق دولة قوية وسياسة ناجحة لكنها لا يمكن أن تخلق اطمئنان سياسي في المنطقة التي تمثل حدودها السياسية .
وأيضا إن نجاح الطائفية مرهون بتنفيذ أهداف المعتقد فنفهم من ذلك ذبول القدرة السياسية عن ابتعاد الأهداف عن التحقق واستحالتها كأي برنامج سياسي آخر يعتمد على انجازاته ولكنه هنا يختلف في كون هذه الانجازات عقدية فبتالي احتمالية استمراريتها رغم فشلها ، وهذا ما حدث مع حماس عندما أرادت للسياسة أن تستند إلى العقيدة ففشلت السياسة لكن العقيدة بقيت لتعبر عن هذا الفشل دون أن تتحول إلى مجموعة أهداف أخرى لأن من خصائص الأخيرة الثبات ومن خصائص الأهداف السياسية التغير .
ومبدأ المواطنة في هذه الحالة يكون العقيدة الطائفية فحينها يجتمع الناس حول الموروث العقدي لهم وقدرته على التحقق والانجاز لكن هذا المبدأ لا يكفي وحده إذا أرادت الدولة أن تكون ذات تمثيل حقيقي للشعب لأن العقيدة لا تعني الجميع بنفس القدر لكن لا بد للدولة من إقامة نوع من المواطنة المبنية على الحرية والمسؤولية والانجاز الداخلي للبلد(التعليم) الذي يحقق للفرد مكانته . لأنه عند غياب هذا المدعم للمعتقد تصبح الدولة طائفة مقابل فئات الشعب التي تتفاوت درجات اعتقادها واستمساكها بالمعقد . فلكي تكون الطائفية ذكية لا بد لها من دعائم سياسية حقيقية.
وبعد هذا إن الطائفية السياسة وان نجحت فهي نخلق جو من التوتر في المنطقة فهي صاحبة مبادئ عقدية وإن ظهرت بغير هذا المظهر لا يمكن أن تتنازل عنها ولا يمكن أن تستوعب اللعبة السياسية إلا كغطاء للعقيدة الطائفية التي هي المركز الرئيس لأهداف والآمال السياسية .

دائما ما تحدث الانقلابات داخل الفقه الإسلامي تحت مسمى الاجتهاد والرجوع إلى الأصل الشرعي القرآن والسنة ، أي باعتبار أن التراكم الفقهي يؤثر في وجة النظر الفقهية وهذا التراكم والرضا به يسمى التقليد ، أي بما يعني أن دورة الفقه الإسلامي تمتاز بأنها انقلاب النص على التراكم ومحاولة الرجوع إلى المصدر الأصل للتشريع الإسلامي ، فلا يزال الفقه يجدد نفسه بأصله أي بالمحافظة على صيغته الأولى ومحاولة تجديدها . لكن السؤال هو هل هذا التجديد هو حقا تجديد ؟ هل هو رجوع للأصل؟ ولماذا لا يكون نوع من محاولات ثورة الفقه على نفسه ؟
هو في الحقيقة ليس هناك رجوع للأصل فإن التراكم ناتج عن الرجوع للأصل أيضا، لكن الذي يحدث هو محاولات الانقلاب على الفقه الناتجة عن عدم الرضا عنه أو عدم تأقلمه بحجة الرجوع للأصل لأني لا أعتقد أنهم لم يكونوا يدركون أن تجديدهم هو إضافة للتراكم ، إن محاولات الانقلاب متعددة ومتنوعة لكنها كلها تسلك نفس المسلك فلذلك لا تكاد تصل إلى طرق متباعدة إذ إن التقليد والتجديد ،بمعنا الرجوع للأصل، وسيطرة مفهومهما على الفقه أدى إلى سير العملية الفقهية في دائرة مغلقة لا يتم فيها خلق مساحات جديدة أكثر من فكرة الثورة الوهمية التي تعني الانقلاب الصوري – لأنه هو اضافة للتراكم وليس انقلاب حقيقي- على الوضع القائم لكن أي ثورة يجب أن تركن إلى الاستقرار النظري ولا يمكن أن يكون استقرارها في ثوريتها وانقلاباتها . لذلك نفهم لماذا كان الفقه يدور بعصوره حول هذين القيمتين .
لكن لا تكمن المشكلة في الانقلابية فحسب بل في تأكيد الرجوع إلى الأصل بما هو الحاكم أي بجعل الفقه الإسلامي معطى غير زمني فهو ذو قيمة ثابتة ، وتكمن المفارقة هنا في اتحاد الزمني واللازمني أي في الوحي بما هو إنتاج الهي والمؤول بما هو بشر لذلك كان الفقه الإسلامي يسعى بتكوينه تياريه إلى التعبير عن هذه الإشكالية أهل الرأي وأهل الحديث فأهل الحديث نتجوا عن محاولة إبقاء الطابع اللازمني للفقه وعن فض الاشتباك بين الزمني واللازمني .
إن العلاقة بين الزمني واللازمني هي عقدة النزاع حول الفقه الإسلامي وهي التي بقيت رغم حيويتها أسيرة لجهة واحدة ،رغم وجود أهل الرأي، وهي الطابع اللازمني أي بإعطاء النص قيمة متعالية على الزمان والمكان يرقى إليها الفقيه الذي يستخرج النص (المجتهد) الذي اجتهد الفقهاء وأطالوا في أوصافه لأنه هو الكافل لفك هذه العلاقة .
لذلك نعي كيف أنه ليس من الغريب على الفقيه الاستشهاد بقول أحد الفقهاء القدماء في ظروف مختلفة كليتا دون حرج لأنهم كلهم يشتركون في نفس المنزلة وهي تعيين إرادة الله ، ولا يلغي هذا كون الفقه انقلابي لأن الانقلاب ما هو إلا تبدل بين مؤولين النص (المجتهدين) لأنه أخيرا كلهم يعودوا إلى ذات المطلق، إذا فإن هذا الانقلاب ما هو إلا سجال بين الفقهاء أنفسهم للتعبير عن عجز الفقه أو إذا أسأنا الظن للتعبير عن نزاع مراكز السلطة في المجتمع – بحكم كون مجتمعنا ديني- .
ولا يمكن للفقه إذا بقيت العلاقة بين الزمني واللازمني لم تحل أن يتقدم أو يشارك في بناء المجتمع المدني ، لكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو ألم يكن الفقه مشارك في بناء المجتمع ؟ إذا لماذا هذا النفي لمشاركته الآن؟ إن الجواب على هذا يبدأ بسؤال وهو ما الفرق بين هذا الزمن وذاك ؟ إن الزمن الماضي أو الطور الحضاري ،كما يسميه الجابري، الذي نشأ فيه الفقه يختلف اختلافا كليا عن طورنا لحضاري الحالي لأن الطور الحالي هو ليس من إنتاج المجتمع بقدر ما هو من إنتاج الحضارة الغربية أي أن هذا العصر يأتي بمستجدات لا تقبل القياس على الماضي لأنها مختلفة المنشأ كليا ، وأيضا إن الفقه في السابق كان هو تعبير عن المجتمع ككل أي أنه حصلت عملية توسيع للدين ليشمل السياسة والاقتصاد و.. في مقابل تكون الدولة خارج المجتمع ،أي أن الدين كان هو التعبير عن المجتمع المدني نتيجة ضعف التطورات الإدارية والسياسية فأنتقل الدين بما هو يعني علاقة العبد بربه إلى شمولية لكل مفاصل الحياة ،وأما الآن مع التطور الإداري والسياسي والاقتصادي بدأ الدين يعود إلى موضعه الرئيسي – لكن بصراعات مستمرة- فان يمكن فهم استمرارية الوضع في مقابل استحالتها الآن في ضوء هذين المعطيين .
إذا تبقى إشكالية الفقه هي العلاقة بين الزمني واللازمني التي يجب على العقلية الفقهية تجاوزها وإدارتها على هيئة لا تنافي بشرية الفقيه ، عند ذلك تنتظم دورت الفقه في خط مستقيم وليس دائرة مغلقة وعندها يمكن تكوين المجال الحيوي للفقه الإسلامي إذ إن ما يحصل الآن من جانب بعض الفقهاء هو تطرف في الجانب اللازمني حتى أصبح الفقيه يقترب من القسيس وأصبح لا يتورع عن الخوض في كل شيء وأيضا أصبح يميل الفقهاء إلى صناعة سلطة زمنية ،هيئة الأمر بالمعروف، حصل هذا التطرف لأن الفقه أصبح يواجه أزمة توتر حاد في العلاقة بين الزمني واللازمني تقتضي فك الارتباط سريعا لأن الواقع لم يعد يعبر عن ما في رأس الفقيه ولا يمكن قياسه بالماضي . إنه يمكن فك هذا الارتباط ببناء نظرية جديدة في الفقه أي إعادة تأصيل أصول للفقه وبناء فقه جديد مبني على إعطاء مساحة أكبر فيه للزمني – أسباب النزول والمصالح- أي بجعل المسألة الفقهية مسألة زمنية بشرية تشرك الواقع في الحكم الشرعي وليست متعالية على الزمان والمكان ، وما أجمل قول الجرجاني في كتابه التعريفات ((الدين والملة متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار فإن الشريعة من حيث أنها تطاع تسمى دينا ومن حيث أنها تجمع تسمى ملة ومن حيث أنها يرجع إليها تسمى مذهبا وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب أن الدين منسوب إلى الله تعالى والملة منسوبة إلى الرسول والمذهب منسوب إلى المجتهد)) فلا بد من فض الاشتباك الناتج عن ارتباط الشريعة بالثلاثة أمور لتنسجم مع بشرية الحياة وزمنيتها .
لا بد من أن يعطى للفقه الإسلامي مساره الصحيح حتى يكون شريك في تكوين مجتمعا متمدنا وحتى ينفك الاشتباك بينه وبين الدين بما هو إطاعة لله ،ويكون بالتالي الفقه جهد عقلي يهدف إلى تنظيم المجتمع من داخل أطره وما يعيشه لا من خارجه مما يؤدي إلى انفصال الفقه وحتى لا يكون الفقه عائقا في وجه تطور المجتمع .

إن السياسة وما يدور في فلكها من إشكاليات هي من أبرز ما يتناوله الوعي العربي بأطيافه ، إن هذا الاهتمام بالسياسة يمكن أن يقود إلى طرق شتى فيمكن أن يكون ناتج الاهتمام هو اعتبار السياسة هي تلك العصا السحرية التي يمكن استخدامها كمعطى ناجز فهي كيان مفرغ يحددها ما يملؤه لهذا فيركز على المضمون وحده في تحريك السكون العربي أو التحول إلى الحضارة إلى فعل ، إن أزمة هذه الرؤية أنها تخلط السياسة بأدوار أخرى فتضيع السياسة ويؤدي ذلك إلى طمسها ونفيها والإحلال مكانها لكن بمنطقها أو في تقمص دورها مما يؤدي إلى الضياع المتبادل لأصحاب الدور وللشخصية ، إن هذا يمكن أن يعد من التفكير في السياسة من خارجها أي من غير ما هي تعنيه من تسوية للمصالح ورعايتها ، إن هذا التفكير لا يقود إلى خلق مناطق أخرى من الأزمات التي لم تكن موجودة فحسب بل إلى التعمية على الوعي لإدراك أنه أصبح خارج الإشكالية مما يؤدي إلى تضخيم حجمها لكن بأخرى ودون حل الأولى مما يؤدي إلى توالد الإشكاليات بصيغة مستمرة . إن الدور الذي تتطلع إليه السياسة ينتفا مع استمرارية هذا التفكير من الخارج ويحول إلى معكوس السياسة أي إلى ضرب التوازنات وتفويت المصالح .
هذا هو الذي يكون عندما يرتكز على الدين في تكوين السياسة باستخدام الدين في السياسة أو محاولة تديين السياسة يقود إلى النفي المطلق لمنطقيهما وتفتيت الدين كمخزون للوعي الجمعي وارتكاز لرأس المال الاجتماعي وذلك بجعله طرفا سياسيا يطمح إلى تبني مصالح في وجه أخرى إن هذا التفتيت هو الذي يؤدي إلى إضعاف قدرة الدين على أن يكون الحاضن للجماعة والبعد الرئيسي أو بنية ثقافتها بالربط بين أبناها على مبدأ التوحد والتضحية وصناعة الذات المسؤولة .
إن هذا الخلط ينفي السياسة من كونه يحمل دور الدين أي مسألة الهداية بما تعني التركيز على الإيمان والنفس الزكية في العملية السياسة بما تعني الموازنات والمصالح وتسويتها فعندها تكون التزكية جزء من السياسة وأضف ما شئت من التداخل بين المنطقين اللذان هما في الحقيقة متوازيين ، إن هذا المنطق يجعل الدعوة السياسية تبني ذاتها على أساس الإيمان الديني أي على أساس دنيا الآخرة لتضيع عندها السياسة بما تعني بناء المصالح الاجتماعية وتدعيمها ، وأيضا بينما يعني هذا الخلط من تحول الدين من حرية الضمير إلى محاكم التفتيش أي أنه يمارس بالفرض من الدولة عندها لا يليق بهذه الدولة اسم أكثر من المؤسسة التبشيرية التي تؤدي العمل الديني في الحقل السياسي .
هذا هو حال معظم الحركات الإسلامية التي ظهرت في النصف الأول من القرن الفائت عندما دخلت المعترك السياسي وهذا أيضا هو الذي يفسر تحولها إلى تمركزات طائفية بما تعني الكلمة من معاني لأنها تراهن على الدين في السياسة وتماهي بين الدين وما تقوم به من دعوة تحت مسمى تطبيق الشريعة، إن هذه الأخيرة تشكل مركز اتفاق الحركات الإسلامية بما هي تعني النظرة القانونية للتشريع الإسلامي في محاولة خلق الشرعية للمجتمع وتنظيمه ، لكن المشكلة التي بدأت بالخلط بين الديني والسياسي تظهر هنا بظهور الشريعة كقانون – أي وضعية مبنية على تراضي الناس أو ما يسمى الإجماع- تعبير عن إرادة الله ليزول عندها أي معنى للقانون كتمثيل للإجماع مرتبط بمصالح المجتمع وليس معتمدا على درجة الإيمان ، إن هذا الخلط يقتل أي سياسة أو أي محاولة لفهم السياسة لأنه يدرس السياسة من الخارج أو كما قلت باعتبارها كيانا مفرغا تملأ بالدين
إن هذا هو ما قاد إلى القول الذي قاله ناصر العمر في التحليل السياسي عندما أركزه على الدين أي بالمثال في مسألة الغرب ليكون التحليل عندها ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى…) هكذا ينتج عن الخلط نفي كلي لأي معنى سياسي للتحول إلى أداة في يد الطائفية .
أخيرا إن للسياسة بنيتها ومنطقها الخاص وساحة عملها وينبغي إدراكها بهذا المنطق لا اعتبارها كيان فارغ يملأ لتتقزم إلى أداة تسير بغير منطق ذاتي ولا اتساق داخلي ، وإن هذا النفي المتكرر للسياسة ينتج ظهور الأخيرة بمظهر الطائفية والرفض المطلق والتقوقع حول المطالب التي لا يمكن أن تتم إلا كلها أو لا .و إن هذا الخلط يمكن أن يحدث مع غير الدين عندما يراد للسياسة أن تكون بغير منطقها أو يمارس منطقها على غير مجالها أي كلما أريد تجير السياسة بمنطق آخر مثل المنطق الأخلاقي الذي يفترض أنه يبنى على أساس التضحية بينما السياسة تبنى على أساس المكاسب وأيضا بمنطق المصالح الشخصية بينما السياسة تعني التسوية بين المصالح العامة إن النفي للسياسة وتشويهها لا يقود إلا إلى تكريس ضياع المفهوم السياسي وانعدام عمله بالتالي ظهور المفاهيم الأخرى في الساحة التي كانت للسياسة ليتقاسمها أصحاب القوى في المجتمع وتخضع السياسة عندها لمفهوم الأقوى .
إن هذا الغياب للسياسة هو الذي يؤدي إلى استنبات الخوف من السياسة لدى العامة لأنها تظهر بمنطق غير منطقها وهو أيضا يفسر التسطيح السياسي لدى مجتمعنا والتعلق بالبطل التاريخي .
لتصبح السياسة عندنا أو عند العامة هي عبارة عن منح وعطيات ونصائح وتوصيات ، هل بعد هذا يرجى انجاز سياسي ؟ هل يمكن لنا أن نتقدم سياسيا إذا لم نعطي للسياسة منطقها ونعيد ترجمتها على معطيات العصر؟ هل يقود هذا الاحتراب حول احتلال موقع السياسة إلا إلى نفي لمنطق الجماعة تحت نير الطائفية أو المصالح المطلقة؟ هل يصبح مع زوال منطقها للمجتمع بما هو مكون السياسة الحقيقي أي معنى في تكوين معادلتها الجديدة المبنية خارجها؟

هذا هو المقال التي وعدت به” عن الانفصال”.
مقدمة أولى: إن المجتمعات التي فقدت التوازنات الداخلية التي تكون اللحمة الثقافية تلجأ إلى أقل صيغة تفكيكية لها للمحافظة على وحدتها حتى لا تتحول إلى عمليات انفجارية ذرية فتصل إلى نزعات وحدانية أنانية يقتل فيها تاريخها وتدمر مدنيتها .وهذه المجتمعات التي تعاني من حالات التفكك تظهر مشكلاتها في بنيتها العميقة لأنه حينها يفقد النسق الثقافي استيعابه للأيدلوجيات في داخله فتبحث الأخيرة عن مبرراتها خارج هذا النسق الذي لم يعد يمثل الوحدة والتوليفة المناسبة لها.
مقدمة كبرى: إن مجتمعنا حكمته عقلية النخب أكثر مما هو حكم ذاته تلك العقلية التي جعلت من الدين المربط الذي تنتظم حوله أمور الحياة وسيدة في هذا منطق الحلال والحرام . بالتالي كان المجتمع مجتمعا يرتبط بهذه العقلية لدرجة كبيرة.
إن مجتمعنا يعاني من حالة طمس المجتمع المدني وارتداده إلى صيغ أوليه – قبلية عشائرية حتى أحيانا يصل إلى صيغ أكثر بدائية فلا يكون هناك أي تمثيل جماعي – فهو يدخل في حاله من العدم الثقافي الذي يقوده إلى اللافاعلية والاستقالة من التاريخ ، إن مع هذه الحالة يدخل المجتمع مرغما في التحديث فينشأ مع هذا حالة من عدم التوافق داخل العلائق الأساسية التي تحكم المجتمع بين التنظيم الاجتماعي والحالة الموضوعية ، عندها يتعاظم التوتر بين الوعي والواقع في محاولة إلى استدراكه ، في هذه اللحظة لا تظهر المشكلة إلا في العمق في الإطار التنظيمي للثقافة (الدين) الذي يمثل المناعة الذاتية التي تسعى إلى حفظ الثقافة من الانحلال فيسترشد بالدين في محاولة التمرير الشرعي للواقع ليدخل داخل المنظومة الثقافية.
طبعا هذا لا يعني الاستسلام ولا التوفيق لكن محاولة خلق التوتر الفعال بين الوعي والواقع أي محاولة إشراك الواقع في عملية تكوين الوعي والعكس ، لكن ما حدث عندنا هو عطب هذه المناعة عن الاستدراك واستمرار تفكك المجتمع وإدارة عجلة التدمير الذاتي بشكل أسرع .
حتى يصل الوعي إلى درجة الانفصال الكلي عن الواقع ويصل الواقع إلى درجة نبذ الوعي عندها يصبح كل واحد منهما لا معقول بالنسبة للآخر ، في هذه المرحلة يدخل المجتمع في الانفصام مع الذات فيصبح مجتمع النفاق الذي يعيش في وعي لا يدرك الواقع بل يرفضه فلا يبقى للمجتمع أي توازن حقيقي يلملم ذاته فلا مجتمع مدني يحتكم إليه ولا وعي يستطيع أن يرتمي فيه فيصبح الواقع فرض من الإثم والوعي رمز للانعزال عند ذلك يبدأ المجتمع – الثقافة الشعبية على حد تعبير برهان غليون- في فقد مقاييسه فيضيع أو يرتاح إلى المنطق البرغماتي التجريبي الذي يحكم أفعاله تحت حاكمية المنفعة المحضة فيمكن للخطأ أن يصبح صواب ويمكن للصواب أن يتحول إلى خطأ لا توجد أي معايير ثابتة فالواقع هو الذي يحكم نفسه .
وهناك مشكلة أخرى قد تخص أصحابها هي زوال الدين من الحياة اليومية بفعل من أراد إشراكه فيها فلا يصبح للدين – للحلال والحرام- أي قيمة عند الناس لأن هذا الأخير يصر على مواجهة الواقع وعدم إشراكه في تكوين البنية اللاحمة وهذا قد يكون قد بدا للناظر الغير متخصص ليجد غايته أينما أراد إن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى زوال طمس الدين وتشويهه بل إلى التشبه بالكنيسة – وكما يقول الترابي أوضاع الإسلام التقليدي في كثير من البلدان أشبه بأوضاع الكنيسة النصرانية – فيدخل على المنظومة الثقافية ما ليس منها من انفصال حقيقي للدين عن الأخلاقيات وحياة الناس – طبعا ما ليس منها في الأصل وإلا ما هي المنظومة إلا توترات الوعي والواقع بالإضافة إلى كليات سياسية واجتماعية- .
ولكن الذي يفاقم الأوضاع تحول الدين إلى أيدلوجيا تسعى إلى تبرير الواقع بضلال الناس والغزو الأجنبي وتمضي في محاولات الدعوة لتشعل فتيل التوتر أكثر وأكثر وتؤدي فعلا إلى انفصام لكنه متفاقم انفصام يقود إلى حرب ضمنية بين هذه الأيدلوجيا والمجتمع ولا يصلح أبدا عطل الثقافة واتزانها .
طبعا هذا يؤدي إلى عطب هذه الأيدلوجيا وإلى ظهورها بحركات بهلوانية فهلوية وارتجالية تضحك الواقع الذي لا يعقلها ويعدها من اللامعقول .
رفقا بالدين ويكفي بنا زجه في السجالات واحتكاره وأدلجته يكفي تمزيقا لوحده المجتمع به يكفي إساءة اداركه . ألم يكفي ما يعاني منه المجتمع من انفصالات مزقته فيأتي هذا الانفصال مع وعيه وذاته . لكن في النهاية سيكتب على هذه الأيدلوجيات انتهى .

انطلقت فكرة الكتابة في هذا العنوان من خطبة جمعة تكلم فيها الخطيب عن سد الذرائع والمرأة ومن أغرب ما أورد في الخطبة قصة لطاؤوس-أحد السلف- أنه كان لا يمضي مع ركب بينهم امرأة !!!!! وددت حينها أن أمضي لكن …
إن التعقيد يتجمع بكثير من ألوانه في وضع المرأة الذي بدوره يحتضن الثنائيات المختلفة والمتعارضة ، هذا على الصعيد النظري ولكن على الصعيد العملي فهو متمخض عن تصفية المرأة لصالح رؤية دينية محددة كانت المشرع الرسمي للحياة الاجتماعية للمرأة، لذلك سعيت في هذا المقال لفهم وضعية المرأة من خلال تفكيك المنظومة الفقهية التي تكتنز الأوامر المشاهدة فعلا .
ولا أعتقد أن طبيعة الواقع العام للمرأة يخفى لكنني سأسعى في هذا المقال إلى التفكير من خلال سؤال ومثال هما :ما هي البنية الفكرية لهذه المنظومة ومثال الحور العين.
في الأولى يطرح سؤال وهو ما هو الكلي الذي يفسر الخطاب عن المرأة ؟ إن هذا الكلي يمكن أن يظهر من علية القوانين المصاغة عن المرأة ، بمجرد المسح السريع حول الفتاوى المتتالية حول موضوع المرأة تظهر العلة وهي فتنة الرجال – تعطر المرأة ،الاختلاط والنقاب هذا بأصول الفتاوى وفيما دون أوضح- ولكن قبل ذلك أليس المرأة عنصر ديناميكي داخل المجتمع بالتالي يجب فهمها داخل جدلية المرأة والرجل إذا ما المشكل في هذه العلة ؟ إن المشكل في هذه هي طرح الجدلية العرجاء التي تفترض ثبات طرف ودينامية آخر فتختزل المرأة داخل هذه المنظمة الفقهية إلى شيطان يثير المجتمع فهي تقبل بوجه شيطان وتدبر به وأما الطرف الآخر فهو العنصر المتحرك داخل المعادلة و يحكم حركته ثبات الأول إلى حد ما – لأن المتأثر المرأة فلا يلبث الرجل إلا أن ينفك من المعادل- . هذا كله يقود إلى تحول هذه الجدلية إلى معادلة شبه جامدة وهي : مصدر الفتنه +متلقي = فتنة داخل هذه المعادلة يمكن فهم العقلية الفقهية التي توجه فقه المرأة في المجتمع،ولكن ما الاشكاليات التي تفرضها هذه العقلية ، الأولى وهي تصفية هذه المعادلة لعنصر النسق الاجتماعي فهي تدور حول افتراض لوضع متوهم داخل ظروف غير محسوبة ، والثانية وهي أن رغم ثبوتية وضع المرأة إلا أنها هي الفاعل لما يصدر من أحكام في الأعم الأغلب وهذا يؤدي إلى تبعية المرأة وتفريغ ذاتها من أي استقلالية حقيقية ، وأخيرا وهو أن هذه المعادلة تقود إلى سحب الإنسانية من المرأة لحساب المادي والجسدي وهذا ينشأ عن ثبوتيتها في المعادلة فهي عنصر الفتنه/المتعة لأنه لا يمكن لهذه العقلية فهم أحكام المرأة الفقهية العامة – أعني بالعامة خروج الكيانات مثل الأم لأنها هنا لا يتعامل معها كامرأة ولكن أم امرأة وغير من أخت و… – إلا داخل افتراضها كجسد ومادة . ولزيادة من التأكيد مثال الحور العين ، إن طرح فكرة الحور العين داخل المنظمة الإسلامية تعني التمثيل لواقع حياتي مثالي داخل الجنة لذلك لا بد من تكامله بنفس الصورة المثالية ، وذكر الحور العين بالطريقة المثالية يدخل ضمن هذا، ويفهم مدى أصالية هذه الفكرة من نفي إدراك كنه الحور العين وتصويرها بالتأثير على الأبعاد النفسية بشكل أكثر كثافة للتأكيد على الطابع المثالي وتقليل بل استبعاد التفكير فيه بصور جسدية ، لكن ما تفعله هذه العقلية هو اختزال الحور العين داخل مجهر مكبر وهنا يكمن المشكل وتظهر المعادلة بخلفيتها-النزعة التجسيدية للمرأة- وتبرز محاولة تأجيل المختزن النظري المحتمل-الفتنة داخل منظومتهم- إلى بناء مثالي بعيد وأعذروني للاستطراد قليلا في مشكل هذا التركيز وهو بناء الصور الخيالية داخل الممكن مما يثير الفتنة .
هناك مفارقة يكن أن تكون مستغربة وهي تهمة الآخر بفعل الذات والتي تظهر في تصوير المرأة كجسد إذا لا تتوانى المنظومة الفقهية في توجيه هذه التهمة للغرب لتقع هي الأخرى فيها، وأنا أعتقد أن وقوها أكثر سوءا لأن الغرب ليس كل واحد ومشكلته تظهر على الواقع وفي الفعل الذي من الطبيعي أنه يخضع للفاعل إلى حد كبير لكن – هذا لا يعني نفي وجود نظريات فكرية تؤكد هذا- ولكن نحن للأسف تقع في المنظومة الفقهية.
في الأخير إن هذه الجدلية العرجاء هي التي حكمت وضع المرأة في السنين الماضية وأعاقت دورها في المجتمع لأنها هي نفسها التي وقفت ضد تعليم المرأة – لأن بيتها أولى لها ، وهذا يؤكد وضع المرأة كفعل ثابت وليس كفاعل مستقل باختصار “التبعية”. ولكن يبقى السؤال عن المستقبل هل ستسمر هذه العقلية في السيطرة على المرأة ؟ لا أعتقد ،إن هذه العقلية تخوض صراع مع واقع أكثر قوة منها ولن تلبث طويلا حتى تحنط داخل أنصارها . إن واقع الحداثة هو مقبرة لكثير من المنظومات العقلية التي تعلن نفسها في مواجه مطلقة معه .
مستخلص : إن الكلمة التي يمكن أن تفسر هذه العقلية هي تبعية المرأة بما تعني عدم استقلاليتها وثبوتيتها لصالح عدم فتنة الرجل ووراء هذا تحويلها إلى جسد .

((اختلف الناس في العزلة والمخالطة أيهما أفضل؟ مع أن كل واحد منها لا تنفك عنه فوائد وغوائل وأكثر الزهاد اختاروا العزلة)) مختصر منهاج القاصدين. هذا الخطاب كان في القرن الخامس الهجري ليبدي إشكالية من إشكاليات الوعي الديني ((العزلة)) التي طرحت عليه واختلف الناس حولها مجادلة واصطكاكا . إن استبيان هذه الإشكالية داخل الظرف التاريخي يقودنا إلى تاريخانية تحدد البعد البنيوي لها فقد كان الظرف التاريخي يعمق لحظة انفصالية بين الإسلام المعياري والإسلام الاجتماعي فما زال قرع سيوف الصليبين يدوي ولم تعد لكل جواد كبوة تفي تفسيرا عن حال الخلافة ومع هذا فالوعي الديني كان يتعرض لمشكل ايبيستيمولجي(محتوى معرفي) يتمظهر في مماحكات بين العقل والنقل ، فكانت العزلة استجابة الفار بدينه وكأنني أستمع إلى أحاديث مثل ((يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر))، ولعل هذا يفسر ظهور التصوف وانتشار أتباعه . إذا كان الأساس البنيوي لهذه الإشكالية الاستجابة لزمان قلت فيه العلائق الدينية ليطرح عندها الوعي هذا السلوك ليكون هذا الأخير موضوع النقاش .
ولكن لنقرأ نصا في زمننا هذا لا أعتقد أن يسفر عن جديد ولا يظهر أكثر من تجلي الواقع ((ويتوهم الكثيرون أنهم قد أذن لهم بالقعود حين قرر الفقهاء أن الدعوة فرض على الكفاية ويختارون أنفسهم في الطائفة المتخارسة …))-التشديد ليس من الكتاب- المنطلق .((الدعوة)) هذه مقتطفة من كتاب كله على شاكلة أذن تفريغ الأمر الإلهي في الوعي الإنساني ، عموما هذا النص أيضا يحتاج إلى تحديد البعد البنيوي وإضافة الظرفية التاريخية فقد قيل هذا النص داخل جماعة تنظيمية أسبلت على نفسها لباس التمثيل الحقيقي للأمة الحقيقية أيضا فمخاض هذا النص لا يقرأ إلا داخل هذه الجماعة التي لا يسع المجال لاستعراضها لكن سأسرد ما يهمني في التحليل الأخير . ولا يعني هذا أن النص في تحليله يقتصر على الجماعة فقد انخرطت فيه مجمل الحركات الإسلاموية .
كان الشيخ حسن البنا هو الذي أسس هذه الجماعة ليجعلها سببية منعه للنظام الحزبي إذ هي التمثيل الحقيقي لوحدة الأمة –هذا رغم انفتاحه الجزئي –رحمه الله- على النظام الدستوري- لتصبح المكانة الضمنية للجماعة خلافة الله في أرضه ، ليأتي بعد ذلك سيد قطب ليفصح الضمني في صورة أكثر راديكالية المختصرة في ((الجاهلية)) لترسخ في هذا الوعي التعالي عن المجتمع ((فتية آمنوا بربهم)) – الهضيبي عندما كتب دعاة لا قضاة أفرغ جهده على الحاكمية ولم يمس بعمق المكانة الإلهية للجماعة- إن هذا الشعور الذي يلتقي مع إرادة الله في أرضه هو تعبير عن مقارنة ضمنية بين المجتمع أ والجماعة ب ليكون أ هو نقيض ب السلبي لتظهر تجليات هذا الشعور المتعالي في أدق التصرفات ((الابتسامة )) لتكون للدعوة ولتحبيب الناس في الجماعة أو لتكون صفراء فاقع لونها، لنعود للواقع الموضوعي الذي نشأت فيه هذه الفكرة فقد كانت إبان صدمة الخلافة للوعي الديني وموازية لاستمرارية الاحتلال الأجنبي وأيضا لظهور الرؤى الحداثية . إذا كان الأساس البنيوي لهذه الإشكالية الاستجابة لزمان قلت فيه العلائق الدينية ليطرح الوعي هذا الحل.
لكن عند محاولة التحليل البنيوي للمضمون الأيدلوجي لهذه الاستجابتين نجدها تعبير عن شعور بامتلاك القيم المعيارية الخالصة الواحدة ونجد في كلتيهما انفصال عن الوعي بالمجتمع ليكون هناك تمركز للوعي بالذات الحاملة للنص إن هذا الانفصال هو سمة لا تزال تزاول تكرارها في الوعي الديني .
لا يمكن جر الأولى لساحة الثانية مطلقا ، لأننا نجد الأولى تعتريها رقة التصوف الكامنة في السلوك الانعزالي ، ولكن الثانية تسلك سلوك التأثير على المجتمع وكأني أسمعهم يرددون ((لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)) ثم يؤكدونها بتفسير أبا بكر لها . ليؤكدون المحاولة للاستتباع الاجتماعي للمعياري الذين هم حملوه والذي أيضا يفتقر البعد التاريخي ولم أقل الوعي التاريخي لأن هذا الأخير نادرا ما يكون عندهم.
المستخلص: هو ادراك بنية المضمون الأيدلوجي وهي إبعاد المجتمع عن دائرة الوعي بالتالي العقلية اللاتاريخية بالتالي الرؤية الشوفونية للذات هذه السمة التي ارتبطت رغم اختلاف التاريخ والمكان لتربط الوعي القديم بالحديث.
عموما إن هذا الانفصال وهذه النظرة الشوفينية((الاستخلافية)) هي التي سوف تزيد من هامش الحرب الأهلية أو من الكنيسة الإسلامية التي لا أعتقد أنها أنجع مصيرا من الأولى النصرانية . ولكن لندع الزمان يتحدث ونحن سنتحدث أيضا في مقال حول تبيان أكثر لهذا الانفصال .

إن الذي يقرأ كتاب الدكتور محمد جابر الأنصاري العرب والسياسة أين الخلل؟ جذور العطل السياسي يلحظ الالتفات إلى كتابين قد سبقاه بصيغة المشروع وهما التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام و تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ، إنه عند هذا الالتفات يعطي المشروع صياغته الاسمية (تكوين العرب السياسي) وأنا أحاول أن أعرض هذه الكتب.
تنطلق هذه الكتب من اطار معرفي يتركب من المكون الجغرافي (الصحراء)، ثنائية البداوة/التمدن ،مغزى الدولة القطرية
يتفرع عن الأول : أن العالم العربي يخضع للصحراء في 90% من أرضه وأن هذه الصحراء أرض منبسطة محاطة بهضاب تجعل الحماية للمنطقة تأخذ مفهوم عكسي إذ الحماية للهضاب وليست للمنطقة وهذه الهضاب هي الحبشة والأناضول وايران ويكمن برهانه على الحماية العكسية قول ابن خلدون أن العرب لا تحتل إلا البسائط والدليل الفعلي أكراد العراق الذين لم يصلهم التعريب ..- ونلحظ اختفاء الاتصال التركي وانحسار عامل القومية أمام الجغرافيا- وهذه الصحراء قادت إلى الانفصال المكاني بين المناطق المدنية ، وهذا المكون الجغرافي يعاكس ما تعود على تكراره من الوحدة القومية للصين مثلا التي رغم الإجتياحات ظلت محافظة على السحنة المدنية عند هذا يذكر الخصوصية المثقلة لهذه المنطقة لنصل إلى الاطار الثاني .
تحت هذه الثنائية والمكون الجغرافي تنطلق دعوة لإعادة كتابة التاريخ العربي ليطرح هذا الأخير على أنه سلسلة ممتدة من الاتصال والانفصال عن الزمان والمكان أي سلسلة من الاجتياحات الرعوية ومن تمظهرات القبيلة تحت عباءات مختلفة أهما الدين الذي اصبح العباءة المتواترة بعد رفع المصحف، إذا الاجتياحات الرعوية هي النموذج التفسيري للتاريخ العربي ، الاجتياح الرعوي يعني اختراق القبيلة للمدينة لإحلال عاداتها ، ومن الأمثلة لإستخدامها تفسيريا تحول العواصم العربية في تعداد لم يسبق له مثيل وأيضا في انقلاب الحال من عهد المأمون إلى عهد المتوكل في مدة زمنية قصيرة عندها لا يمكن تفسيره-على حد قوله- إلا بالاجتياح المتمثل في سامراء . إن هذه الاجتياحات ساعدت في انفصال زماني بين الدولة واللادولة يصل الأنصاري إلى هذه الحقيقة في الكتاب الأول ولكنه لا يكتفي بهذا القدر في الكتاب الآخر سوسيولوجيا الإسلام ، فيؤصل رفض الإسلام للبداوة تحت شعار ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)) عند هذه الآية التي تدل عنده على مدنية الإسلام والربط بين الإيمان والتمدن بالتالي تصبح البداوة شرخ في الإيمان لدرجة أن هذا الانتقال المكاني -من الحضر إلى البداوة- في حكم المحظور والمكروه إلى درجة إدخاله في دائرة الكبائر والردة ! في هذا الجزء من الكتاب الثاني يتحول الأنصاري إلى مؤصل ديني بعد أن كان يطرح أفكاره على المستوى النظري-ويكمن الإعتراض في اختلاط لغة المنهجية العلمية بين مستويات متعدد واعادة صياغة الأفكار على لغة داخلية وعلم بالظل كما يقول بعض فلاسفة المسلمين- ، وأيضا يقوم بتفسير الأحاديث والآيات في صورة رجل الدين . عند هذا يثبت العلاقة العكسية بين حقيقة الإيمان والبداوة ، عند هذا القدر ينطلق في الإطار الثالث بعد إعادة صياغة نظرية ابن خلدون بصيغة توسعية ليدرك ما غفل عنه –على حد قوله- وهو الاجتياحات الرعوية الخارجية .
في الاطار الثالث يبنيه المؤلف على أكثر من مستوى :
1.دراسة حالة الدولة واللادولة .
2.مرحلة الإقطاع المؤجلة.
3.ترابط المجتمع المدني وتكون الدولة.
في المستوى الأول يثبت الأنصاري سيطرة التناقض في حالة الدولة في الوطن العربي، إذ الاجتياحات التي تفرض هذا التناقض وتلغي الترابط الزمني ، وأيضا ازدواجية الدولة وضدها خصوصا في العهد العثماني إذ كانت بعض المناطق لا تخضع للدولة وتعيش وضعية النقيض .
في المستوى الثاني يناقش دعوى حدوث الإقطاع في العالم العربي ليبطلها في التفريق بين الوضع الأوربي والعربي في مفاصل الإقطاع الرئيسة التي من ضمنها ملكية الإقطاعي ، وبعد نقاش مع الدعوى تخلله اتهام بأن أصاحبها ذوي طرح أيدلوجي غير علمي – الأمر الذي ملأ كتبه الثلاثة- لينطلق بعد ذلك إلى إثبات أهمية المرحلة الإقطاعية في التاريخ الأوربي في تكوين الدولة وبناء مؤسساتها بالتالي أهمية مرور المنطقة العربية بذلك لذات السبب –عند ذلك يبرر تسلط الدولة ضمن المقارنات بين الإقطاعيتين- يقول الأنصاري ذلك في ضمن التشنيع على الرؤى الأيدلوجية .ومن النتائج لهذا التحليل أن هذه المرحلة هي تجربة العرب السياسية الحقيقية بعد أن كانوا طوال قرن من الزمان داخل تنور الاجتياحات الرعوية- الأتراك وبلاد فارس والمماليك…-
في المستوى الثالث يطرح الدولة القطرية على أنها هي مرحلة إقطاعية وعلى أنها وحدة وليست تقسيم ، ويؤكد على ذلك بإعادة تاريخ المنطقة قبل الدولة القطرية .
لكنه عند ذلك يؤكد أن الديمقراطية و المجتمع المدني تحتاج إلى:
1.دولة مكتملة المؤسسات.
2.استقرار سياسي.
وعند هذا أيضا يشنع التعصب الأيدلوجي في الدعوى إلى الديمقراطية دون أن تكتمل الروافع ،لكنه في ذلك يخضع لإشكالية الحرية/تكوين الدولة في عرضها كمسألة تنافسية بينهما ، ففي صفحات يعرضها كسؤال يترك جوابه للقارئ وفي أخرى يخوض في تقديم وتأخير دون جزم ولكنه بعد كل الطرح التنافسي يعود لمسألة بناء الدولة واستقرارها .
بعد هذا العرض يبقى أن الكتب الثلاثة مليئة بالتكرار ووضوح عدم النظرة المسبقة للكتابة في الموضوع كمشروع ، ووضوح اختلاط دور المثقف ورجل الدولة ، ولا بد من التفكير في سبب إعادة تكرار الأيدلوجيا في مقابل العلمية والتشنيع على الأخيرة في ضوء طرح الأنصاري وموضعه العلمي ، وإعادة طرح الأسئلة حول أولوية الاجتياحات الرعوية في ظل لغة الأحداث الداخلية خصوصا في عصر المأمون ، ويلحظ علاجه لثائية البداوة/التمدن بقطيعية لا بلغة تجاوزية لإدارك أبعاد القضية ، ولا أدل على القطيعة من اقامة الحد الديني لدرجة اعتبار الانتقال المكاني بين بيئة المدينة إلى البداوة في درجة الردة.